يبقى الكتاب رغم التقدم في وسائل المعرفة الحديثة هو الوعاء الذي يجب عدم تجاهله إلكترونياً كان أو ورقياً، لقد جاءت التقنيات المعاصرة قوة جديدة تختصر الفاصل الزمني بين الوقت الذي يستغرقه تأليف الكتاب سواء اكان عاماً او متخصصاً واستقراره بين يدي القارئ المتلهف على الجديد في كل فن. قد يظن البعض ان نشر الكتب في سلسلة يومية لدى بعض الصحف والجرائد يغني عن وجوده في سفر مستقل يرجع إليه المهتم متى شاء ونشره كذلك إلكترونياً لم يلغ دور المكتبات العالمية التي تحتضن ملايين العناوين منذ معرفة البشرية بسبل القراءة والكتابة والتأليف العلمي. لو أردنا أهمية التأليف الرصين والمعتمد على المراجع والدوريات والابحاث التي لم تر النور الا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أخرجت الى الوجود كتباً كادت ان تختفي من الوجود إلا أن آلة الطباعة في الدول المتقدمة كانت تتسابق في النشر مع تسابق الآلة العربية في أراضي أفغانستان، فكما هاجمت القوات الأمريكية فلول الارهاب هناك، كذلك رافق ذلك الوضع صدور العشرات من الكتب والمؤلفات التي تلاحق وتحلل الأحداث ساعة بساعة ولم تكتف بالتغطية الاعلامية السريعة وعلى مدار الساعة كذلك لأن التكامل هو الذي يربط بين جميع وسائل المعرفة الانسانية وحلقة الوصل بينها هي في الكتاب. أما العالم العربي الذي بلغ اجزاء بعض عباقرها في الزمن السالف مئات المجلدات للعنوان الواحد والمؤلف الواحد فهو الى اليوم لم يجد له وسيلة نشر سريعة تنفض الغبار عن تراثه المدسوس والمسجون بين جدران المكتبات التي بحاجة دائمة الى مضادات الرمة حتى لا تصل الى الكنوز المعرفية لديها فتحيلها الى أكوام من الورق لا حول لها ولا قوة في الوصول الى الجمهور المستهدف ويمكن التأكد من هذه الحالة الصعبة من قوائم الاصدارات السنوية الجديدة والتي ترفق بمعارض الكتب في العالم العربي من المحيط الى الخليج فهي بالكاد تملأ أصابع اليد الواحدة ومن ضمنها كتب يعاد طبعها من جديد لا لأنها راجت أو نفدت من الاسواق بل لأن نسخ الطباعة في الطبعة الأولى لا تتراوح بين ألف الى ثلاثة آلاف نسخة ومن يفكر في المزيد فعليه ان يضع يده على قلبه حتى لا يصدم بحجم الخسارة التي يقع في شراكها فلا يفكر بعد ذلك في التأليف الجاد اكثر من مقال صحفي أقرب الى الوجبات السريعة ينشرها هنا أو هناك وكفى. فالمدة الزمنية بين تأليف الكتاب العربي وطباعته ونشره تأخذ غالباً من خمس الى عشر سنوات، فيكون عدم طباعته اولى لأن المعلومات البشرية لا تبقى ثابتة الى الأبد وخاصة الأبحاث الميدانية التي تعتمد العلم وفق نظريات تراكم المعرفة الانسانية، فكل كتاب جديد يعد فكرة في حلقة متصلة للفكرة الاخرى، وعلى هذا الأساس تبنى الحضارات والا كان البتر واللصق هو نتائج المؤلفات بعد طول فراق بين زمن انتاج المعرفة وزمن النشر. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae