الشهيدة الفلسطينية الشابة شاهناز عموري دخلت قطعا التاريخ من اشرف ابوابه كأول امرأة في مسار حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة تدشن ما يمكن ان يتحول الى ظاهرة الاستشهاد النسائي. وما ان طالعت اخبار عملية القدس التي فجرت فيها شاهناز نفسها حتى اعترتني فكرة جنونية طرحت نفسها في ذهني كتساؤل: هل ينهض اي واحد ـ او واحدة ـ من دعاة تحرير المرأة في العالم الاسلامي ـ غربيين كانوا أم عربا ـ للتقدم باقتراح لتكريم شاهناز عموري على نحو او آخر باعتبار انها بطلة انسانية تدشن ضربا من البطولة منقطع النظير؟ بالطبع يجب الا نتوقع بحال من الاحوال ان ترشح شاهناز لجائزة نوبل، فالذين يمنحون هذه الجائزة من المسلمين او المسلمات في مجالات السياسة والادب (وربما الاقتصاد ولكن ليس الكيمياء او الاحياء او الرياضيات الخ) يشترط ان يقدموا اعمالا تشكك في الاسلام ومبادئه او على اقل تقدير تروج للتطبيع مع اسرائيل، لكن المطلوب من منظمات تحرير المرأة في الغرب وفروعها الكثيرة في الشرق أن تصدر مثلا كتيبا تقريظيا عن شاهناز عموري تعلن فيه للعالم انها تعتبر هذه البطلة «جاندارك» الشرقية. لقد قادت جاندارك ـ الفتاة الريفية الفرنسية المتصوفة ـ فرقة عسكرية من الرجال وهي على ظهر جواد، كان ذلك في النصف الاول من القرن الخامس عشر خلال ماعرف في التاريخ الاوروبي بحرب المئة عام بين فرنسا وانجلترا، وتحت قيادة جاندارك استطاعت تلك القوة الفرنسية فك حصار عن مدينة «اورلينز» بعد ان ألحقت بالقوة الانجليزية هزيمة حاسمة. واذا كانت جاندارك ـ ببسالتها الخارقة ـ واجهت الموت كاحتمال فان شاهناز الفلسطينية، باقدامها الاستشهادي واجهته كحتمية. وليس في صفحات التاريخ الفرنسي منذ القرن الخامس عشر وحتى الوقت الحاضر مايفيد بتكرار نموذج جاندارك. فلم نسمع عن اي دور قتالي لنساء فرنسيات في حروب فرنسا التالية. وحتى في العصر الحاضر ـ عصر التحرر الاقصى للمرأة الاوروبية ـ لم نر جيلا من النساء المقاتلات الفرنسيات في معارك الحرب العالمية الثانية ولا في حرب فيتنام وحرب الجزائر. لكن احسب ان نموذج شاهناز الفلسطينية سوف يكون قصة مختلفة. نموذج جاندارك كان حالة انفرادية معزولة كنتاج تفاعل ذاتي. لكن شاهناز نتاج تفاعلات اجتماعية لظروف وعوامل ملتهبة تنتظم الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته فتنعكس على توجه وتطور مسيرته النضالية. مع ازدياد واتساع حدة القمع الوحشي الاسرائيلي كميا ونوعيا تطور اسلوب النضال الفلسطيني في الاعتصام والتظاهر وحصب الحجارة الى المواجهة المسلحة والعمل الاستشهادي. وبذلك وصلت المقاومة الجماهيرية الفلسطينية الى نقطة اللاعودة ـ تلك النقطة التي يتوقف عندها الفرد ليكتشف ان الحياة والموت يتساويان .. ثم يتوصل عند وقفة اخرى الى قناعة نهائية بأن الموت افضل. هذه هي القناعة التي دفعت بشاهناز الى العمل الاستشهادي والمغزى الذي يستاهل التوقف هو ان قناعة استقبال الموت الفدائي طوعا بين صفوف الفلسطينيين يتسع نطاقها يوما بعد يوم ليتجاوز الرجال الى النساء. من هنا ربما لا يكون نموذج شاهناز حالة فردية استثنائية وانما تدشين لنقلة نوعية جديدة تماما في مسار المقاومة الشعبية الفلسطينية. وفي كل الاحوال فان شاهناز عموري جديرة بالتكريم، وأحسب انها ايضا قناعة كثيرين .. لكنها قطعا ليست قناعة اولئك النفر من الرجال والنساء العرب الذين تنحصر رؤيتهم لتحرر المرأة الاسلامية في مسائل الحجاب والبرقع .. وحق الاجهاض.