اصبح شائعا الآن، ان نقول بأن يوم 11 سبتمبر من العام الماضي، هو يوم فارق في تاريخ العالم، وان الدنيا بعده لن تعود كما كانت قبله، وبصرف النظر عن بعض المبالغات في تحديد مدى هذا التغيير واتجاهه، فإن الاستخلاص في ذاته صحيح، يتطلب قدرات عقلية على التأمل والاستبصار، نقرأ ما جرى قراءة صحيحة، تستهدف البحث عن الحقيقة، وليس خداع النفس، وتتوقع ما سوف يأتي في المستقبل القريب من دون تهويل او تهوين، وتخطط للتعامل معه، استناداً الى الحقائق لا الاوهام. ولاننا لا نستطيع ان نتنبأ بالمستقبل، تنبؤا اقرب الى الدقة، او نخطط للتفاعل معه بشكل صحي من دون ان نقرأ الحاضر قراءة عميقة وعاقلة، فإن الخطأ في تفسير ما جرى في يوم الثلاثاء الدامي، وما ترتب عليه، سوف يقودنا الى تنبؤات خاطئة لما سيجري في المستقبل وبالتالي يقودنا الى مواجهة له في الاتجاه الخطأ، ربما تجلب علينا مزيداً من الكوارث. والقراءة الشائعة الآن لدى معظم العرب والمسلمين سواء كانوا من الصفوة او من الحرافيش أو من النخبة او من العوام، تقول ان احداث الثلاثاء الدامي، هي احد تجليات العداء الغربي الصليبي ضد الاسلام والمسلمين، فإن الحرب الدولية ضد الارهاب، هي حرب دينية تنسب للمسلمين ما لم يقوموا به، لتتخذ منه ذريعة للقضاء عليهم وعلى دينهم باعتبار ان الاثنين يشكلان الخط الاخضر الذي يرتعب منه الغرب ويخشاه. تلك قراءة خاطئة لما جرى، من سوء الحظ ان الذي ساهم في اشاعتها، هو تيار الاسلام السياسي بمختلف فصائله ومراكزه، وسواء كان معتدلاً أو متطرفاً، عربياً أو آسيوياً، استند في ترويجها الى شواهد صغيرة، من زلة لسان «بوش» الى تطاول «برليسكوني» ومن المشاعر العدائية التي شاعت في بعض بلاد الغرب تجاه المسلمين، الى الاجراءات الامنية المتعسفة التي اتخذت بحقهم، وهي شواهد اقصى ما يمكن ان يستنتج منها، هو انها تعكس وجود تيار متعصب في الغرب، استغل الرعب والأسى الذي اشاعته احداث الثلاثاء الدامي لدى المواطنين الغربيين، لكي يروج لافكار لا يمكن النظر اليه باعتبارها اتجاها عاما لدى كل من يعيش على ظهر النصف الغربي من الكرة الارضية سواء على صعيد النخب السياسية، او على صعيد العوام. وكان مما ساهم في شيوع هذا الاعتقاد، المشاعر السلبية المتراكمة التي يكنها العرب والمسلمون، تجاه السياسة الامريكية بسبب موقفها المنحاز لاسرائيل الذي كان من نتائجه ان تعرض الفلسطينيون لعمليات ابادة منظمة شنتها قوات الاحتلال الاسرائيلي، ووصلت الى ذروتها عشية وقوع احداث الثلاثاء الدامي التي استقبلت للوهلة الاولى ـ ولهذا السبب بالذات ـ في العالمين العربي والاسلامي بمشاعر شماته فشل الجميع في التحكم فيها. ولا يمكن تنزيه تيار الاسلام السياسي ـ بكل فصائله وعلى امتداد العالم الاسلامي ـ عن فطنة السعي لاستثمار هذه المشاعر سياسيا، بهدف تدعيم جماهيريته وتلعيب عضلات للنظم الحاكمة في البلاد العربية والاسلامية، فذلك عيب شائع في العمل الحزبي بشكل عام، والعربي والاسلامي منه بشكل خاص. وكان هذا السعي لاستغلال ما اثارته احداث الثلاثاء الدامي من مشاعر جماهيرية متناقضة، وراء مبادرة الاصوليين الاسلاميين ـ وبالذات المعتدلين منهم ـ لتنظيم مظاهرات التضامن الواسعة مع الشعب الافغاني، وهي مظاهرات اختلطت مشاعر المشاركين فيها بين السخط على تدهور الاوضاع السياسية او الاقتصادية او كليهما، وبين الغضب لما يجرى للفلسطينيين، فلم تجد امامها خطابا او شعارا، سوى ذلك التحليل الساذج والمبسط، الذي نظر الى ما جرى باعتباره احد تجليات العداء الصليبي للاسلام والمسلمين، فتطابق خطابها مع خطاب «بن لادن» الذي ازيع عند بدء العمليات العسكرية واكد فيه ان العالم قد انقسم الى فسطاطين، هما فسطاط الايمان وفسطاط الكفر، حتى بدا وكأن مظاهرات التضامن مع الشعب الافغاني، هي تأييد لما جرى يوم الثلاثاء الدامي، الذي اصدرت معظم الفصائل الاسلامية بيانات بادانته، وتضامن مع «بن لادن» واعتماد لخطابه السياسي والفقهي باعتباره خطاب تيار الاسلام السياسي بكل فصائله، بل وباعتباره يحوز تأييد جماهير المسلمين. ولو ان الاصوليين كانوا احصف سياسياً لما قادتهم حسابات حزبية ضيقة الافق، الى هذا الموقف الذي اساء اليهم، واضر بالاسلام والمسلمين، ولو انهم استخدموا حاسة الاستبصار السياسي لديهم، استخداما صحيحاً لاتخذوا مواقف عملية تؤكد التزامهم بالبيانات التي اصدروها باستنكار احداث الثلاثاء الدامي، وتوضح بكل السبل ان الخطاب السياسي والفقهي الذي استند اليه بن لادن في الدفاع عنها وتبريرها، مما اكد الشبهات بأنه هو الذي خطط لها، لا يمثل فهما صحيحا للسلام، ولا يدعمه إلا اقلية ضئيلة من المسلمين.. وتضع خطاً فاصلاً بين التضامن مع الشعب الافغاني، والتضامن مع بن لادن ومع القاعدة. كان باستطاعة الاصوليين الاسلاميين ان يجنبوا الشعب الافغاني ما تعرض له خلال الحملة العسكرية ضده، وان يضعوا خطا فاصلا بين تضامنهم معه، وتضامنهم مع بن لادن لو انهم شكلوا وفدا من قادتهم، يسافر الى افغانستان، كما فعل وفد آخر حين قامت حركة طالبان بتحطيم التماثيل الاثرية في العام الماضي، لكي ينصحوا المسئولين في حكومتها، بأن تعلن استعدادها لتسليم بن لادن لكي يمثل امام القضاء، طالما هي واثقة من براءته، وان تشترط محاكمته امام محكمة دولية تكفل له كل ضمانات التقاضي، تقدم اليها الولايات المتحدة، ما لديها من أدلة وبراهين دفعتها لاتهامه بالمسئولية عن التفجيرات. ولو ان شيئا من ذلك قد حدث لتأكد العالم ان الاصوليين الاسلاميين ينقسمون الى فسطاطين، فسطاط يضم الاغلبية الكاسحة من الوسطيين والمعتدلين والعصريين، وفسطاط لا يضم سوى بن لادن نفسه وعدد قليل ممن يساندون رؤيته. ولو ان حركة طالبان قبلت تسليم «بن لادن» ليحاكم امام محكمة دولية تكفل له كل ضمانات العدالة لبددت الشبهات التي طالتها بأنها تأوي الارهاب، ولتجنب كل ما طالبها لاصرارها على الرفض من دون حساب صحيح، لموازين القوى العسكرية بينها وبين خصومها. ولم يكن الاصوليين الاسلاميين وحدهم، هم الذين اخطأوا قراءة التداعيات التي يمكن ان تترتب على احداث الثلاثاء الدامي، فقد وقع في هذا الخطأ الذين خططوا لتلك العمليات التي يمكن ان تقوم بها الادارة الامريكية، المملوءة بغرور القوة، حين توجه اليها لطمة بحجم لطمة 11 سبتمبر.. ووقع فيه ـ معهم ـ هؤلاء الذين قادهم مشاعر الضيق والغضب ضد السياسة الامريكية، الى توهم بأن ما جرى هو بداية النهاية للامبراطورية الامريكية ولسيطرة القطب الواحد على العالم، وحين تنبأوا ـ ومعهم حركة طالبان ـ بأن الجيش الامريكي سوف يغرق في المستنقع الافغاني، الذي غرق فيه من قبل الجيش السوفييتي، من دون ان ينتبهوا الى ان زمن الحرب الباردة قد انتهى، وانهم يحاربون حليف الامس الامريكي، وخلفه العالم كله، من دون قطب مناويء يمكن ان يعينهم بالمال والسلاح على مواجهته! هذا هو الموقف الذي يتوجب على حركة الاصوليين الاسلاميين على امتداد خريطة الامتين العربية والاسلامية، ان تتدبره بعد المياه التي جرت في النهر منذ وقعت تفجيرات الثلاثاء الدامي، بدلاً من ان يظلوا ويظل غيرهم يلوكون افكاراً من تلك التي املتها مشاعر منغلقة سادت هذه الخريطة منذ ذلك الحين، بفضل استثمار حزبي املته رؤية ضيقة الافق، كالاصرار على ترديد خرافة ان ما جرى هو حرب دينية، وان الغرب يتخذ من حربه ضد الارهاب ذريعة لتصفية حسابات الماضي ومخاوف المستقبل من الاسلام والمسلمين. ذلك طعم ابتعله الاصوليون الاسلاميون واشاعوه بين الناس لم يستفد منه سوى بن لادن وحركة طالبان، الذين كانوا يبحثون عن شعار تعبوي يحشد من حولهم رأيا عاما، عربيا واسلامياً يضغط ليحول دون شن الحرب ضدهم وتحمس له العرب والمسلمين، توهما منهم ان حركة طالبان ستصمد امام آلة الحرب الامريكية، وبل وتلحق بها الهزيمة، اما وقد انتهت الامور الى ما انتهت اليه فإنه فضلا عن عدم صحته اصبح غير ذي جدوى بل هو ينطوي على اضرار فادحة ليس فقط لانه يعطي العناصر المتعصبة في الادارة الامريكية وفي الادارات الاوروبية، ذريعة للتحريض ضد دول اسلامية وعربية اخرى، فضلاً عن انها تقودنا نحن العرب والمسلمين الى طريق مسدود، فحتى لو كان هذا الاستنتاج صحيحاً ـ وهو ليس صحيحا ـ وكانت الحرب التي جرت بالفعل اولى فصولها، فما هي القوة الحقيقية التي نملكها الآن، لكي نواجه بها قوة الغرب، حتى نسعى لتأجيج الصراع الآن، وكأننا جاهزون لخوض معركة ضده؟! ما يتوجب على الاصوليين الاسلاميين ان يقرأوه بشكل صحيح، هو ان الحملة الدولية ضد الارهاب لم تنشأ من فراغ، ولم تأت من العدم، وليست مجرد ذريعة لكي يعبر الغرب عن عدائه للاسلام، او لكي تضع الولايات المتحدة قدمها في آسيا الوسطى، ولكنها انطلقت من حقيقة موضوعية، هي ان الارهاب الذي يرفع شعارات دينية، قد اصبح بالفعل ظاهرة عالمية، تزعج كثيراً من الانظمة السياسية، وتخل باستقرارها السياسي والاقتصادي، وان هناك رأيا عالميا واسعا يرفضه، ويساند كل محاولة لتصفيته، باعتباره خطرا يهدد الحريات الشخصية والعامة، ويصادر حريات الرأي والتعبير والابداع، بحكم ان الارهابيين يصنفون على ما يعتنقونه من آراء قدسية، ويكفرون من يختلف معهم، ولايتورعون عن تصفيته بدنيا. ما يتوجب عليهم وعلينا ان نقرأه بشكل صحيح، هو ان الشبهة التي لحقت بنا نحن العرب والمسلمين، بأننا ارهابيين وبأن ديننا يخيف غير المسلمين، وقرآننا يحض على قتلهم، لم تأت من العدم، لان هناك بالفعل من بين الفصائل الاصولية، من يعتنق مثل هذا الفقه، ومن يفسر آيات القرآن الكريم واحاديث الرسول، هذا التفسير المهوج، ويشجعه بين عوام المسلمين، ويبثه من فوق منابر المساجد، وعبر اجهزة الاعلام حتى في الغرب ذاته، ولان هناك من انطلقوا تحت تأثير مثل هذه التفسيرات، لكي يشنوا هجمات مسلحة ضد المختلفين في الدين من غير المسلمين، بل هو من المخالفين في الرأي من المسلمين. ما يتوجب عليهم وعلينا ان نتدبره، هو ان رفض السياسات الامريكية والاسرائيلية بل وحتى رفض وجود اسرائيل ذاتها في المنطقة، هو موضوع سياسي لاعلاقه له بالاديان، ولايجوز لنا ان نحوله الى صراع اديان، فنخسر بذلك غير المسلمين الذين يقفون مع حقوقنا حتى في دول الغرب ذاتها، ونخسر بذلك غير المسلمين في البلاد العربية والاسلامية، ونحولهم الى اعداء من دون مبرر، ونثير القلاقل الطائفية في بلادنا ذاتها، فتفقد استقرارها، وتعجز عن ان تفعل شيئا للدفاع عن قضايانا، حتى لو كان مجرد اصدار بيان شجب. اما الذي يتحتم على الاصوليين الاسلاميين ـ بمختلف فصائلهم ـ ان يتوقفوا عنده وقفة طويلة، فهو ان الولايات المتحدة الامريكية، التي تحالفت معهم على امتداد عقود، ومولت فصائل منهم بالمال،، ودعمت اخرى بالسلاح، باعتبارهم اهم اسلحة الحرب الباردة ضد تسلل الشيوعيين الى البلاد الاسلامية، وخاصة العربية منها، قد قررت ان ترفع عنهم هذه الحماية، بعد ان اكتشفت، انهم يلعبون لحسابهم، وانهم يضمرون لها عداء لا يقل عن عدائهم للشيوعية، وانهم تحالفوا معها ضد عدو مشترك، فما ان تم التخلص منهم، حتى انقلبوا على حليف الامس، لينهي زمن السمن والعسل، ويبدأ زمن الخل . تلك حقائق لايجوز للاصوليين الاسلاميين، ولا غيرهم، ان يتجاهلوها، في ضوء الواقع الذي يقول ان الحملة الدولية ضد الارهاب، على صعيد الفكر وعلى صعيد الممارسة، هي حملة دولية بالفعل، تحوز تأييد كل العالم على الصعيدين الرسمي والشعبي، وتقف وراءها ترسانات اسلحة واجهزة استخبارات لاقدرة لاحد بمواجهتها، ولايكفي لمواجهتها ان نكرر ترديد الكلام الذي لاجدوى من تكرار ترديده، حول العداء المتأصل لدى الغرب ضد الاسلام والمسلمين، وحول المعايير المزدوجة، والخلط المتعمد بين المقاومة المشروعة للاحتلال وللطغيان، وغير ذلك مما يعتقد الاصوليون وغيرهم انه يكفي للمواجهة، اذ الاجدى من ذلك ان نجتهد جميعا، لكي نواجه كل ذلك، بفض الاشتباك في اذهاننا وممارساتنا بين المقاومة المشروعة والارهاب، ولكي نبحث عن منهج جديد، للحركة الاسلامية، تستطيع بمقتضاه ان تواءم بين الاسلام، وبين ضرورات دولة مدنية ديمقراطية عصرية .. تؤمن بأن الحياة تقوم على التنوع في الرأي والفكر والتنظيم، وان عصر رفض الآخر قد انتهى او لابد ان ينتهي وان السيف الدولي مشرع، لمن لايقر بذلك. مطلوب ان نجتهد لا ان نثرثر، وان نعترف بالحقائق ونتعامل معها، بدلا من ان نكتفي بمضغ مشاعر الغضب، وتعبئة الناس بها، لتقودهم وتقودنا الى محاق التاريخ. وصديقك من صدقك لامن صدّقك ـ كاتب مصري