مهما كان رأينا.. من خلال منظورنا العربي ـ في العولمة كظاهرة محدثة وكحركة كوكبية (بمعنى أنها تنظم أنحاء كوكب الأرض المعمور من حيث الاهتمامات والآمال والمشاكل حتى لا نقول الكوارث) ـ فليس من سبيل ـ في تصورنا ـ الى تجاهل العولمة وقوانين حركتها ومدى ما قد تخلفه من تأثيرات على وطن امتنا العربية في الحاضر وفي المستقبل على السواء. لا نصدر هنا عن منطق السياسة ولا عن توجهات السياسيين ولكننا ننطلق من واقع المهام الأساسية ـ المحورية التي يتعين علينا بوصفنا ـ بعد اذنك ـ من سكان هذا الكوكب ومن المشاركين بالضرورة في صياغة مستقبله. أهداف أساسية وفي ضوء هذه المهام المطلوب انجازها فثمة أهداف أساسية ستة أمكن صياغتها بحيث يتعين أن تطرحها ومن ثم توخاها جهود العمل المشترك المبذولة على كل من الصعيد القومي ـ الوطني والاقليمي والعالمي ـ الكوكبي كما قد نسميه. هذه الأهداف المحورية الستة واردة بتكثيف شديد وبليغ أيضا في الدراسة الهامة التي سبق الى اصدارها في عام 1992 السيد (ألبرت غور) نائب الرئيس الأمريكي السابق بعنوانها الشهير: كوكب الأرض في الميزان. تتلخص الأهداف الستة فيما يلي: (1) انقاذ بيئة (كوكب) الأرض. (2) كفالة عنصر الاستقرار لحجم سكان كوكبنا. (3) نشر وتعزيز التكنولوجيات الصديقة للبيئة (بمعنى غير الضارة أو السلبية). (4) تحسين المعايير والقواعد والمؤشرات المستخدمة لقياس الآثار التي تلحق بالبيئة نتيجة تصرفات البشر. (5) استحداث (جيل) جديد من الاتفاقات الداعمة لصحة وسلامة البيئة على المستوى الدولي. (6) إنشاء برنامج أو فلنقل برامج تكفل نشر الوعي والثقافة الايكولوجية (البيئية) بين سكان عالمنا. صحة الاتموسفير وبديهي أن احراز هذه الأهداف الستة لا يمكن أن يتم في بلد واحد بعينه ولا في منطقة واحدة بذاتها من العالم الذي نعيش فيه مهما بلغ هذا البلد أو تلك المنطقة من ثراء الموارد أو غنى الامكانات. ولا يخفى عليك مثلا أن صحة وسلامة ونقاء الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض (الاتموسفير) لا يختص به قطر واحد من أقطار هذا الكوكب ولا تقع مسئوليته على عاتق اقليم واحد من أقاليمه الواقعة جغرافيا في الشمال أو في الجنوب وتستطيع أن تقول الشئ نفسه عن ظواهر التلوث الذي قد يصيب صفحة الماء (في البحار أو المحيطات) وما قد يلحق به من تسمم زئبقي أو غيره يصيب الحياة البحرية بوصفها من أهم موارد الغذاء لسكان الكوكب فضلا عن الاصابة بملوثات اليابسة التي قد تنزل بالنبات أو الحيوان على اختلاف الفصائل وتباين الأنواع أو السلالات.. تلك ظواهر تصدق عليها صفة أساسية ومشتركة تتلخص ببساطة في حقيقة جوهرية هي: ـ أنها عابرة للحدود ومن ثم فهي تشكل مسئولية مشتركة لابد وأن تتقاسم أعباءها وتتحمل تبعاتها مختلف الأمم والشعوب والحكومات. بين العولمة والكوكبة في ضوء هذا كله نجمت على امتداد السنوات العشر الماضية (منذ صدور كتاب السيد جور المشار اليه) الى خطة عالمية مشتركة لتحقيق الأهداف الأساسية الستة التي عرضنا لها في مستهل هذا المبحث (لم نستخدم المصطلح الأدق لوصف هذه الخطة وهو مصطلح عولمية فما زالت الكلمة ثقيلة الجرس على السمع العربي ولقد نفضل عليها من باب التسهيل وصف كوكبي وقد دعا الى استخدامه مثقف عربي بارز من مصر هو الدكتور اسماعيل صبري عبدالله وهو في طليعة المهتمين بقضايا البيئة والمستقبليات على مستوى الوطن العربي والعالم). باختصار شهدت سنوات العقد الفاصلة التي بدأت من عام 1992 الى عامنا الحالي الوليد اشتداد ساعد الدعوة الى مشروع وصفته الأوساط العالمية المعنية بما يلي: مشروع مارشال كوكبي جديد وعندنا ان استخدام هل نقول اقحام اسم مارشال لم يتم سوى للدلالة أو تحديدا للاحالة الى المشروع الذي تبناه ودعا الى تنفيذه وزير الخارجية الامريكي الأسبق الجنرال جورج مارشال «1880 ـ 1959» من أجل تعمير أوروبا (الغربية بالذات) بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها مباشرة وفي ضوء ما تخلف عن ذلك الصراع الدولي الذي دام نحوا من ست سنوات (1939ـ 1945) من دمار لغرب أوروبا ـ مدنها ومصانعها ومواردها وقدراتها الانتاجية والخدمية ـ المدنية والعسكرية يستوي في ذلك المنتصرون (انجلترا وفرنسا) أو المهزومون (المانيا وايطاليا). مارشال.. لماذا؟ ونحسب أن الاشارة الى مشروع مارشال (القديم) وردت لتأكيد ما سبق اليه مشروع الجنرال الأمريكي السابق من حشد للموارد وتجميع للامكانيات وتحديد واضح للهدف المنشود (تعمير ما دمرته الحرب في غرب أوروبا) وبرمجة هذا كله في اطار خطة واضحة المعالم، محددة المراحل من حيث التوقيتات الزمنية وحلقات الانجاز والتنفيذ، فضلا عن استلهام روح النجاح الذي حققه المشروع السابق الذي استهدف أوروبا الغربية لعلها تكون دافعا الى نجاح المشروع اللاحق المقترح أن يستهدف ـ كما ألمحنا آنفا ـ اصلاح بيئة كوكب الأرض وتزويد هذا الكوكب المهيض بقدرات الوقاية مما أصاب وقد يصيب هذه البيئة، هواءها ومياهها، وزرعها وضرعها وانسانها من علل وأدواء. لذلك فضلت جمهرة من العلماء والمفكرين في العالم أن تطلق على المشروع المذكور وصفا أكثر إبانة وأدق تحديدا وهو: ـ مشروع الشراكة من أجل التنمية المستدامة. وغني عن البيان أن الشراكة هنا لابد وأن توصف بأنها عالمية أو كوكبية إن شئت التدقيق. الشراكة أولى وغني عن البيان أيضا أن القوم أصابوا أولا عندما أطلوا على المشكلة من منظور شراكة عالمية (أين ذلك من مفهوم الوصاية الأمريكية التي اتسم بها مشروع مارشال القديم؟) وأنهم أصابوا ثانيا عندما نقلوا المفهوم من حيز الاقتصاد والمال الذي كان يدور في اطاره باستمرار مشروع الوزير الأمريكي الجنرال مارشال الى حيز أوسع وأعمق وهو مضمار التنمية التي تشمل كما تعلم المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ـ المعرفية على السواء. وتجسدت الخطوة التالية لذلك فيما قد نسميه دوريات استكشاف (عملية) لاستطلاع الآراء بين صفوف العلماء والمفكرين المعنيين بتلك القضايا من أجل الاستنارة بها لدى وضع خطة الشراكة المنشودة موضع التنفيذ. دراسة من بلاد التشيك عند هذا المنعطف من الحديث نحيل الى الدراسة التي أعدها في هذا الموضوع، البروفيسور (بافيل نوفاشيك) مدير مركز الدراسة المتعددة التخصصات بجامعة بالاكي في الجمهورية التشيكية وعرض فيها النتائج التي أسفرت عنها دورتان من استطلاعات الرأي التي أجريت عام 2000 في اطار ما يشبه جس النبض في دوائر المفكرين والعلماء في بلدان عديدة حول واقع ومشاكل بيئة الكوكب الأرضي ومدى حاجتنا ـ نحن سكان هذا الكوكب لمشروع الشراكة الذي ينبغي للجميع أن ينهضوا بتبعاته لدرء الأخطار المحتدمة بهذه البيئة وبالبشر الذين يعيشون في ظلها. جامعة بالاكي اضطلعت بهذه العمليات الاستطلاعية، في اطار مشاركتها في جهود محور وسط أوروبا المعني بمشروع الألفية الجديدة في مجال اصطلاح البيئة وحمايتها. وقد عمد استطلاع الرأي في دورتيه اللتين توسلتا بأسلوب المقابلة والاستمارة الاحصائية الى استفتاء عدد من السياسيين وممثلي المنظمات غير الحكومية (الأهلية) والمخططين والعلماء والكاتبين والمفكرين ومن ثم أمكن للبروفيسور نوفاشيك أن ينشر ملخصا مكثفا لنتائج هذا كله في أحدث الاعداد التي وصلتنا من دورية بحوث المستقبليات (وهي فصلية تصدر عن جمعية مستقبل العالم ومقرها ماريلاند بالولايات المتحدة) وقد بسط النتائج على النحو التالي: دورة الاستفتاء الأولى وقد دارت في مايو عام 2000 وشملت 47 فردا تم استطلاع آرائهم في 17 بلدا وأجابوا عن الأسئلة الأربعة التالية: ـ أولا: ما هو في رأيك الهدف الأمثل لمشروع الشراكة الكوكبية؟ دارت أغلبية الاجابات حول الهدف القائل بتحسين فرص التنمية المتاحة أمام البلدان النامية وتحقيق المزيد من تكافؤ هذه الفرص بين المتقدمين في عالمنا والمتخلفين. مع ذلك يسترعي النظر الى قلة الاستجابات التي دارت حول تصحيح الأخطاء التاريخية (المرتكبة في حق أمم كثيرة وشعوب شتى) أخطاء من قبيل الاستعمار أو العمل الرخيص وما الى ذلك ـ وكأن القوم يريدون أن ينسوا الماضي أو يدعون تناسيه ويرمون الى فتح صفحات جديدة أمام حكاية الشراكة المنشودة. ـ ثانيا: اذا ما أتيحت الاعتمادات المالية اللازمة ما هو في رأيك الهدف الذي يعطي الأولوية في اطار مشروع الشراكة العالمية؟ تركزت أغلبية الردود حول هدف نراه محوريا إن لم يكن جوهريا وتلك بالطبع ظاهرة صحية، وهذا الهدف هو: القضاء على الفقر المدقع الذي تصيب آفته أرجاء كثيرة من العالم وكذلك القضاء على الأمراض الوبيلة التي تفتك بأعداد ضخمة من البشر. يلي ذلك ـ في الردود والاستجابات ـ الدعوة الى نوع من الاستقرار ـ هل نقول التثبيت لحجم وعدد السكان في العالم (وصولا بل طموحا الى نوع من التوازن بين احتياجات السكان وبين اتاحة الموارد). ـ ثالثا.. طيب.. كيف تحدد الأدوار أو المسئوليات الواجب أن تضطلع بها أقطار العالم؟ في هذا السياق قالت الاستجابات بإسناد التمويل الى أقطار رأوها قادرة على ذلك ومنها كندا واليابان.. على أن تشارك في التمويل أقطار من ذوي الاستطاعة كما قد نسميها مثل كوريا الجنوبية والجمهورية التشيكية في حين صنفوا أقطار أفريقيا الفقيرة جنوبي الصحراء على أنها تستفيد من هذه المعونات التمويلية من أجل اقالة عثرتها.. ولكنهم حرصوا على التمييز بين بلد موسر يقدم منحا مالية مباشرة وبلد قادر ومتقدم تكنولوجيا تأتي منحته على شكل استضافة وتدريب الخبراء أو تقديم برامج تربوية وعلمية وتكنولوجية. ـ رابعا: كان السؤال عن أهم مشروع يراه المستجيبون قابلا للتحقق من ناحية ومحققا لأقصى فائدة للناس من ناحية أخرى. أما الاستجابات فقد وضعت في مركز الأولوية في هذا الخصوص المشاريع التي ترمي ـ كما تقول الدراسة التي بين أيدينا ـ الى تطوير وتدعيم الزراعة المستندة الى عوامل وأسس بيئية مواتية وسليمة والرامية في الوقت ذاته الى خفض الكميات المستهلكة من المياه ومن موارد الطاقة دع عنك خفض عناصر الاهدار والاسراف في استخدام تلك الموارد التي رآها المستجيبون هامة، إن لم تكن جوهرية بل حيوية بالنسبة لمشاريع التنمية المستدامة من جهة وأهداف الحماية البيئية من جهة أخرى. في السياق نفسه، اشار المستجيبون، وهم من العناصر الواعية والمسئولة كما ألمحنا من قبل، الى أهمية تعزيز التبادل والتواصل بين أقطار العالم في مجال المعارف العلمية ـ الثقافية والتكنولوجية وخاصة في مجال تيسير استخدام سبل المعلوماتية (الانفورماتيك) وفي مقدمتها منظومات شبكة الانترنت بطبيعة الحال. ملاحظات.. للتأمل على أن هذا الجانب من ردود المستجيبين ما لبث أن توقف بقدر ملحوظ من التأمل عند نقاط وقضايا تدور في فلك هذا السؤال عن أهم المشاريع أو الطروحات التي شهدتها الحقبة الختامية من القرن العشرين.. ونستطيع أن نلخص أبرز هذه الملاحظات التأملية التي أضافتها ردود المستجيبين على النحو التالي: علينا أن نبدأ بالفرد ـ الانسان البشر قبل أن نتحدث عن نشر الدعوة أو التعاون بين الشعوب والدول أو الحكومات.. وعن استقرار القناعات وترسيخ الأفكار وتعميق الدعوات في ضمائر الأفراد ـ كل هذا يسبق بالضرورة دور الحكومة أو الدولة أو حتى مجمل الجماعة البشرية.. وبغير قناعة الفرد فإن الدعوات تتبدد اندفاعتها وتتحول الى سلوك مظهري أو الى مشروع رسمي ـ حكومي. ـ في هذا السياق بالذات.. يلزم التوجه نحو المرأة ـ وخاصة في المجتمعات (التقليدية) فهي المحرك الأساسي لعجلة التنمية ـ على خلاف ما قد يعتقده الكثيرون وهي من ثم المستفيد الأساسي من أي ثمار تحققها العملية الانمائية باعتبار الدور المحوري للمرأة في حياة أسرتها الصغيرة بل في اقتصاديات وديناميات المجتمع الأوسع الذي تعيش بين ظهرانيه. مع ذلك.. فلنتحدث من ناحية أخرى ـ ازاء المبالغة والغلو في اشراك المرأة في حركة (الاقتصاد النقدي) هنالك تشير الاستجابات التي بين أيدينا الى السلبيات التي نجمت عن امعان المرأة في بعض مناطق جنوب شرقي آسيا في التعاطي مع الجوانب والأنشطة النقدية للاقتصادـ وباختصار فقد يكون مفضلا أن تمارس المرأة أنشطة مالية أو نقدية أو تجارية ـ لكن من الأفضل أن لا يكون ذلك على حساب دورها داخل الأسرة، وهي المؤسسة ـ الجوهر والمؤسسة ـ الأهم. ان التنمية قد تكون بحاجة الى المرأة ـ المدير للمشروع المالي.. ولكن مستقبل المجتمع بحاجة أكثر، بل أنه من أحوج ما يكون الى المرأة ـ الأم ـ والمرأة ـ الزوجة والى المرأة المثقفة الواعية بدورها المتكامل على صعيد الأسرة وصعيد المجتمع. وهكذا كانت الدورة الأولى من استطلاعات الرأي التي دارت حول مشروع الشراكة في مجال التنمية المستدامة لكوكب الأرض. ماذا إذن عن الدورة الثانية للمشروع التي تمت على مدى شهري يونيه ويوليه من عام 2000 وشملت بدورها 4 أسئلة محورية.. نشرها البروفيسور التشيكي بافيل نوفاشيك وشفعها من بعد بملاحظاته الختامية؟ هذا هو موضوع الجزء الأخير من هذا المبحث بمشيئة الله تعالى. ـ كاتب سياسي من مصر