تختلط الحقيقة أحيانا بالأسطورة في كتب التاريخ العربية، وتدخل على الحقائق أو الوقائع التاريخية تفسيرات يخترعها القصاص اختراعا، ويرونها على مجموعات متباينة. وتمضي السنوات وتدخل هذه التفسيرات المخترعة كتب التاريخ، ويطالعها المرء في ثنايا مطالعاته لهذه الكتب. وأنا شخصيا أقرأ هذه التفسيرات المخترعة على أنها تخيلات قصصية يتفاوت حظها من المتعة، أو تتباين في أساليبها ، وذلك على النحو الذي يدفعني إلى تأكيد هذا الجانب من كتب التاريخ بوصفه جانبا فنيا، يستحق الدراسة في ذاته بوصفه أعمالا قصصية ينبغي أن تقرأ لذاتها، بل ينبغي أن تدرس خاصة للكشف عن جمالياتها القصصية أو جماليات الخيال الشعبي الذي أسهم في صياغتها، والذي ابتدعها لتحقيق أغراض خاصة به. وأسباب ذلك متعددة. منها الأسباب التي تتصل بنصرة هذا الفريق أو ذاك من الفرق المتحاربة في الأزمنة التاريخية المختلفة. وقد تتصل بتمجيد شخصية من الشخصيات أو تحقيرها بصياغة أقاصيص مخترعة لمدح أو ذم هذه الشخصية. وهناك الأسباب الاجتماعية التي اتصلت بالصراع بين العرب وغيرهم من الشعوب التي سبقتهم إلى الحضارة والتي ظلت تهاجم العنصر العربي فيما عرف باسم النزعة الشعوبية، فاضطر العرب إلى الرد عليهم باختراع قصص مقابلة.وهناك الأسباب الدينية التي تتصل باختراع القصص التي تضيف الفضائل إلى الدين الإسلامي، أو تزيد في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، أو تغالي في مناقب الصحابة ومن بعدهم التابعين، ومن بعدهم الاتقياء الذين تتابعوا عبر العصور فيما عرف باسم مناقب الصالحين. ومن هذه القصص التي ترجع إلى أسباب اجتماعية ودينية معا ما يرويه ابن عبد الحكم في كتابه (فتوح مصر) حيث يقول إن عمر بن الخطاب لما قدم إلى الجابية سنة ثماني عشرة من الهجرة خلا به عمرو بن العاص، واستأذنه في المسير إلى مصر وفتحها وكان عمرو قد دخل مصر في الجاهلية، وعرف طرقها. وكان سبب دخوله إياها أنه ذهب إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الاسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج يسيح في بعض جبالها، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم، فبينما عمرو يرعى الإبل، إذا مر به شماس وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر، فوقف على عمرو فاستسقاه، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانة، وكانت إلى جانب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها. فلما استيقظ الشماس نظر إلى الحية العظيمة التي أنجاه الله منها، وقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها، فأقبل إلى عمرو، وقبل رأسه وقال: قد أحياني الله بك مرتين. مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك إلى هذه البلاد؟ قال عمرو، قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا، فقال له الشماس: وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإني لا أملك إلا بعيرين، وآمل أن أصيب بعيرا، فقال له الشماس: لسنا أصحاب إبل وإنما نحن أصحاب دنانير؟ فقال: تكون ألف دينار، فقال الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد، وإنما قدمت لأصلي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي، ولك عليّ عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله عز وجل أحياني بك مرتين؟ فقال له عمرو: أين بلادك؟ قال: مصر، في مدينة يقال لها الاسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال له عمرو: وتفي لي بما تقول، ولي عليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال له الشماس: نعم، لك والله على العهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردك إلى أصحابك، فقال له عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهرا. تنطلق معي ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، ولك علي أن أحفظك ذاهبا، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا. وشاور عمرو أصحابه فوافقوه على الذهاب، وأخذ معه واحدا منهم، وانطلق وصاحبه مع الشماس حتى انتهوا إلى مصر، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه. وقال عمرو للشماس: ما رأيت مثل ذلك، فقال الشماس: وأنا ما رأيت مثل عمرو. ومشوا إلى الاسكندرية، فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة، وجودة بنائها وكثرة أهلها، فازداد عجبا، ووافق دخول عمرو الأسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم كرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم وهو يتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا من تلك الكرة ـ على ما وصفها من مضى منهم ـ أن من وقعت في كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الاسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالكرة وهم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الاعرابي يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا. ومشى الشماس في أهل الاسكندرية وأعلمهم أن عمرو أحياه مرتين، وأنه قد ضمن له الفي دينار. وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا ودفعوها إلى عمرو. وأنطلق عمرو وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزودهما وأكرمهما حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، وأري منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها أموالا. فلما رجع عمرو إلى أصحابه، دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا. قال عمرو: وكان ذلك أول مال اعتقدته وتأثلته. هذه القصة الطريفة لها جمالها الفني الخاص من حيث هي تاريخ مخترع، ففيها العبرة والعظة على مستويات عديدة: منها تدبير العناية الإلهية التي أوقعت عمرو في طريق رجل الدين المسيحي الذي قاده إلى مصر التي عاد إليها فاتحا رافعا رايات الإسلام، ومنها سخرية الأقدار من أولئك الذين سخروا من عمرو بن العاص حين وقعت الكرة في كمه، وقالوا: لا يمكن أن يكون هذا البدوي ملكا علينا. وهي سخرية تحمل معنى الرد على الشعوبية من أعداء العرب المنتسبين إلى الأمم ذات الحضارات الأقدم. ولا يخلو البعد الديني في القصة من دلالة أخرى تتصل بتسامح الإسلام إزاء المسيحيين. كما تتصل بنظرة إيجابية إلى رجال الدين المسيحي الذين ينتسب إليهم هذا (الشماس) الذي وفي بوعده.واضيف إلى ذلك ما تنطوي عليه القصة من تأكيد فضائل عمرو بن العاص من ناحية، وتصويره بأنه الشخص المنذور دون غيره لفتح مصر من ناحية ثانية، وهناك أخيرا، الإشارة إلى ذلك الملعب الذي يقول ابن الحكم إنه احدى أعاجيب الاسكندرية، ويضفي عليه ـ نقلا عن غيره، وكما نقل عنه غيره ـ ذلك الطابع الأسطوري المقترن بهذه اللعبة السحرية للكرة والصولجان، ولا أعرف هل هذا الملعب ملعب قديم اندثر، وضاعت آثاره، أم أنه المسرح الروماني الذي لا تزال بقاياه قائمة إلى اليوم في أحد أحياء مدينة الاسكندرية. أعرف ـ بالطبع ـ أن الباحثين أو المؤرخين يمرون على أمثال هذه القصص مرورا عابرا ولا يأخذونها مأخذ الجد بوصفها تاريخا مخترعا، وهذا حقهم وواجبهم، ولكنني أتصور أننا ـ نحن نقاد الأدب ومتذوقيه ـ نرى في أمثال هذه القصة جمالا خاصا، هو جمال الخيال الإنساني حين يمضي طليقا ويخترع من الأحداث والوقائع ما يفسر به التاريخ المعروف، وجمال الخيال الشعبي حين يبتدع لتحقيق أغراضه وأهدافه، وفي قراءة ذلك متعة خاصة لم نسلط عليها الأضواء بعد.