إلى أين تمضي بنا قاطرتنا العربية الإسلامية، بعد أن وقعت الواقعة، وما تلا أحداث 11 سبتمبر من تداعيات، تلقيت سؤاله، مذهولاً، رغم انه ليس استثنائياً، بل بُليت حروفه وكلماته من كثرة استهلاكه في أحاديث الصباح والمساء كل يوم، لذا وجدتني مندهشاً من رد فعلي غير المبرر، وكأنني أكتشفه للمرة الأولى. حتى رنين الكلمات كان له مذاق خاص، وملمس لم تألفه حواسي، التي أثقلتها وطأة متابعة التدفق غير المحتمل لأخبار سيل التحريض ضد أمتي، والإهانات التي تُكال للعرب والمسلمين على مدار الساعة في الإعلام الغربي، حتى صارت لحظة الغضب خارج زماننا. وجاء سؤال الصديق، في أول لقاء لنا بعد غياب عن القاهرة لأكثر من عامين، مختصراً كل الأسئلة الخاصة والعامة عن أحوال الأهل والأصدقاء في بر مصر، وكأن ما جرى وما سيجري يحمل في طياته ما سيجبرنا على إسقاط جدران الأنانية وتحطيم أسوار الحلول الفردية، فمصير واحد بانتظار الجميع، مهما تباينت التوجهات والمراتب وحتى الولاءات. نبهني السؤال، الذي أشعل نيران العقل والجسد في صقيع شتاء لم تألفه القاهرة منذ عشرات السنين، إلى طبيعة المنعطف والتحول التاريخي الذي أدخلنا فيه، انتقاماً من أمتنا بلا ذنب اقترفته، ومكافأة لصُنّاع الإرهاب الدولي من الصهاينة أحفاد القردة والخنازير، وبالمناسبة هذا ليس هجاءً لهم، بل وصف سماوي يقيني. وهالني حجم ما أُغرقت فيه نخبة أو صفوة الأمة من جدل حول صراع أو حوار الحضارات، ومعظمه غث وإعادة إنتاج لأوهام وأكاذيب من نفايات إنتاج الإعلام الغربي، وقليله ـ على ندرته ـ ممسك بتلابيب المشكلة اللغز، مجتهداً في محاولة جادة لتقديم إجابة ليست من نوع تلك الجاهزة والمكررة والمعادة، والتي لا تغني ولا تسمن من جوع. أعادني صديقي إلى نقطة البدء وهو يسألني: كيف تفسّر وقوع غالبية كتّابنا ومفكرينا في الفخ وأخذ المزاعم الغربية ـ وهي من صنع اللوبي الصهيوني ـ على محمل الجد، وكأنها يقين بديهي، رغم انها محض أباطيل، ومع ذلك يجتهدون لتبرئة ديننا من اتهامات هو أصلاً منها بريء. وعاد مكملاً تساؤله: هل هي تعبير عن واقعنا الرديء، الذي يستمرئ موقف الضحية، ويتوسل العدالة من جلاده، ويعيش أحلام الظهيرة متخيلاً أن جلاده هو قاضيه الطبيعي! قلت لصديقي وأنا غارق في دوامة عنيفة من الشكوك، ومحاولاً تثبيت قناع الثقة الزائفة: أظن هذه الموجة ستتلاشى، وسوف يكتشف المرجفون أن بضاعتهم كاسدة، فدفاعهم المريض عن الإسلام بمحاولة تطويعه وتدجينه، وإعادة صياغته على هوى الغرب، لن يرضي أباطرة الحوار الغربي فهم لن يرضوا بأقل من المسخ لأمتي بديلاً. وزدت بتذكير صديقي بأن التاريخ ساق تجارب مشابهة لأمتنا وأمم أصدقائنا من الشعوب المستضعفة في أفريقيا وآسيا، ولم تقم للحوار الحضاري قائمة إلا بعد أن زالت وتلاشت موجة العدوان، وسكتت عاصفة الغبار، وفشل مخطط العدوان، أياً كان حجمه أو هيئته، وقال التاريخ كلمته بأن لا حوار تحت دوي القصف والقنابل، سواء كانت قنابل مميتة للجسد، أو قنابل محملة بأفكار مسمومة قاتلة للإرادة وكاسحة للهوية. وذكرني صديقي، بأن القصف بالأفكار المسمومة هذه المرة ليس محصوراً على جبهة العدو، بل نتعرض له من الطابور الخامس، أولئك المدجنون الذين يعرضون أنفسهم في سوق النخاسة «الثقافية» كأجراء في معركة الهوية، متناسين المصير الذي ينتظرهم، كمصير المعلم يعقوب عرّاب الاحتلال الفرنسي لمصر خلال أولى غزوات الفرنجة في عصرنا الحديث.