جرعات التثقيف التي تقدمها بعض المؤسسات الحكومية والخاصة من خلال برامج التوعية المدرسية للطلاب والطالبات في مراحل التعليم المختلفة لا تلبث أن تنتهي وتفقد مفعولها أمام واقع الممارسة اليومية والتي تجرف معها كافة المثاليات والقيم المعرفية. ولا شك أن الجهود التي تبذلها بعض المؤسسات الخدماتية في تثقيف الأجيال تنمّ عن وعي مُطلق وإدراك تام لمسئوليتها تجاه المجتمع، وان وجودها واستمراريتها مقرون بمدى قدرتها على خدمة هذا المجتمع وحصد رضا عملائه، لذا فإنها لا تتوانى عن تخصيص جزء غير يسير من ميزانيتها السنوية من أجل الارتقاء بالمفاهيم الاجتماعية السائدة والعمل على تطوير الحس المعرفي تجاه بعض السلوكيات غير اللائقة، وهو ما عزز من وعي الطالب وإدراكه بأهمية المشاركة والتفاعل في مثل هذه البرامج التي لا شك انها تفتح مداركه إلى أمور قد يجهلها سواء في مجال الثقافة المرورية أو شئون الدفاع المدني أو الخدمات الطبية، أو الصحة والغذاء والحفاظ على البيئة، وما يتعلق بالنظافة العامة وما إلى ذلك من قوائم التثقيف وبرامج التوعية، غير أن المفاهيم النظرية التي تملى على الطالب في المدرسة تصطدم بواقع الحياة المعاشة، وهو واقع يفتقد في بعض جوانبه إلى كثير من هذه القيم، وتعتبر مثل تلك المفاهيم ضرباً من المثالية التي لا يمكن أن تجدها إلا في إطار المدينة الفاضلة. ولعلّ التطوّر المذهل والنمو السريع الذي شمل أرجاء الدولة في ظل الاقتصاد المنفتح والتجارة الحرة، لتواكب في مستواها أكثر دول العالم المعاصر تطوراً وازدهاراً، استرعى الاستعانة بمختلف الخبرات والأيدي العاملة من مختلف دول العالم للمشاركة في عملية البناء والتقدم، الأمر الذي أوجد قاعدة عريضة من الجنسيات والعمالة الوافدة التي تنتمي الى مختلف الثقافات، وتمارس العادات والسلوكيات السليمة من منظورها، وهي في مجملها أعداد غير بسيطة يتجدد توافدها على البلاد بصفة مستمرة، وفي كل مرة تعيد إلى واقعنا صور المخالفات التي كان يرتكبها من سبقهم قبل أن تشملهم جرعات التوعية. إن المشاركة القومية من مؤسساتنا لهي دور حضاري يحتسب لها ولا شك، ومؤشر يجسّد حرصها على الارتقاء بمستوى المجتمع بكافة شرائحه وفئاته، إلا أنه من الأهمية بمكان تضافر كافة أجهزة الدولة في خدمة هذا التوجه الحضاري والعمل على توجيه المخالف إلى تغيير بعض الحقائق المغلوطة التي ترسّخت في تعاملاته، وأسلوب تعاطيه مع أفراد المجتمع ومكتسبات الدولة، ليكون بالفعل فرداً مشاركاً في مسيرة البناء لا مناقضاً لها. وعليه لابُدّ أن تتلازم خطوة توعية الوافد مع خطوات صعوده سلم الطائرة ليحل أهلاً في بلده الثاني، إذ لابد أن يزود خلال مدة الرحلة ببعض منشورات التوعية وان يطلع على الأفلام التسجيلية التي تبرز أهمية الالتزام بكافة الأنظمة والقوانين المعمول بها بالدولة والتي تضبط الممارسات الفردية، وأن يقلع فوراً عن العادات التي ألفها في موطنه وتحرمها اللوائح التنظيمية بالدولة، حتى يُدرك تماماً أنه لن يعفى من المساءلة في حال المخالفة، فما ألفه في بلده قد لا يستسيغه المواطنون هنا. darwish@albayan.co.ae