بغض النظر عن رغائب أرييل شارون، هل يتلاشى دور عرفات عن الساحة الفلسطينية لاسباب فلسطينية؟ وفي حال غياب عرفات كيف تكون الصورة القيادية لحركة النضال الوطني الفلسطيني؟ وهل يمثل هذا الغياب اضافة ايجابية ام يمثل انتكاسة؟ لنقر أولا بأن التأييد الشعبي للسلطة الفلسطينية والرئيس عرفات ظل لمدى السنوات الاخيرة بعد «أوسلو» في حال تآكل منتظم وانه على خط موازٍ وبنفس القدر يتسع يوما بعد يوم التأييد الجماهيري لتنظيم «حماس» ثم تنظيم «فتح». وتأسيسا على هذه الحقيقة الازدواجية التي تتعاظم يوميا على الارض ليس من العسير إدراك الملمح العام للصورة المستقبلية وحتى في لحظات الحاضر الراهن نستطيع ان نرى كيف باتت سيطرة عرفات على الساحة الفلسطينية محدودة.. جنبا الى جنب مع اضمحلال نفوذ السلطة الوطنية. ولادراك كيفية حدوث هذا التحول السياسي التاريخي في مسار حركة النضال الوطني الفلسطيني لا اجد افضل من استعراض وتفحص السيرة السياسية لابرز قيادي فلسطيني ممن تطلق عليهم الصحافة الغربية «الحرس الجديد». مروان البرغوثي بدأ شبابه السياسي المبكر كقومي عربي، والآن وقد تجاوز الاربعين فإنه اضحى اقرب الى فكر «حماس» و«الجهاد»، وخلال المساحة الزمنية ما بين الموقفين كان البرغوثي ذا توجه «اسلامي» و«معتدل» على طريق عرفات. فقد تفاءل باتفاق اوسلو بعد ان اعتبره سدرة المنتهى والغاية الاخيرة ـ او شبه الاخيرة ـ لمسار الكفاح الفلسطيني. ولكن مع مرور سنوات ما بعد اوسلو اخذ التفاؤل يتحول الى تراكمات متعاظمة من خيبات الامل. فقد رأى كيف تكشفت «عملية السلام» عن خدعة اشد خطراً من خدعة «وعد بلفور» وكيف تكشفت السلطة الفلسطينية عن جهاز تنحصر مهمته في القمع والفساد. وليس بوسع احد ان يزايد سياسيا على مروان البرغوثي او يشكك في نزاهته الوطنية او قوته الفكرية أو قدرته على اصدار الاحكام الصائبة. فقد قضى في السجون الاسرائيلية ست سنوات نفي بعدها الى تونس ليعود الى الارض المحتلة بعد سنوات مع عرفات بعد اوسلو. ان مدى اقتراب مروان البرغوثي من فكر «حماس» هو بالضبط مدى بعده عن نهج عرفات. وعلى هذا النحو يمثل البرغوثي ذلك التحول الراديكالي المتفاعل في توجه الحركة الوطنية الفلسطينية، ولاستبيان طبيعة هذا التحول ومداه فلنستذكر ان العمل الاستشهادي ـ الذي ينطلق من بواعث دينية ـ لم يعد حكراً على «حماس» و«الجهاد». ان فرادة العمل الاستشهادي كأسلوب نضالي لدى الافراد تتمثل في انه لا يمكن ان يستجلب من خارج الذات البشرية وانما ينبع بالضرورة من داخلها، ولذا فإن ازدياد العمليات الاستشهادية في حركة الكفاح اليومي الفلسطيني وتسارع وتائرها وايقاعها دليل على الانتشار المتضاعف لقوة القناعة الايمانية بين جماهير الشعب الفلسطيني مما ينعكس تلقائيا ونوعيا على اداء كوادر فصائل المقاومة جميعا ودون استثناء كما نرى. ومن عجائب هذا التحول ان الاحصاءات الرقمية تفيد بأن العدد الاكبر للعمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي حتى الآن ليس من نصيب «حماس» أو «الجهاد» وانما من نصيب تنظيم مروان البرغوثي ـ «فتح». ماذا يمكن ان نستخلص من ذلك؟ ـ نستخلص ما هو واضح بالشواهد المرئية المعاشة: ان الصورة المستقبلية لحركة النضال الوطني الفلسطيني سوف تكون اسلامية الهوية بنسبة مئة في المئة من القمة القيادية الى القاعدة الجماهيرية. وكلما تعاظم البطش الدموي الشاروني كلما اتخذ ايقاع هذا التحول نقلات أسرع.