في عالمنا العربي رأيان متواجهان الأول: يرى ان كل ما يواجه العرب مؤامرة غربية صهيونية ويهودية وأمريكية تنفذ بحق العرب والمسلمين بشكل فردي وجماعي، والثاني: يرى بأننا لا نستطيع الا ان نلوم أنفسنا على ما نحن فيه. هكذا يجتذب الناس نمطين الأول يضع كل المسئولية على الآخر وعلى القوى الخارجية في كل من العراق والسودان والجزائر وفلسطين وقضايا اخرى، بينما النمط الاخر يرى ان اعداء العرب ومنافسيهم قد حققوا ما حققوه من خلال الوضع العربي ومن خلال غياب التجديد والتنمية والجدية والديمقراطية والعالمية في السياسات العربية، بل يرى الاتجاه الثاني بأن المغالاة في روحية الرفض العربية ساهم في اضاعة الكثير من الفرص وفي اثارة صراعات اضافية ادت الى تراجع العرب في كل مجال. وقد لا تقع الحقيقة في جانب من الجانبين، فحقيقة الوضع الذي يحيط بنا يحتمل الرأيين ويحتمل تكاملهما: الاول الذي يحدد مسئولية الخارج والثاني الذي يحدد مسئوليتنا الذاتية، فبين الاثنين تعيش منطقتنا في مهب أكثر من ريح واكثر من اتجاه، وهي تعيش في حالة تجعل المستقبل محفوفا بالمخاطر وذلك نتاج تداخل العاملين الذاتي العربي مع الدولي الاوسع. ولنأخذ الجانب الخاص بالقوى الخارجية: فاسرائيل مستمرة في سياسة تقوية الذات مما يحافظ على تفوقها في مواجهة جميع الجيوش النظامية العربية، وهي مستمرة في تطوير اقتصادها مما يسمح له بأن يتفوق على مجموع الدول العربية المحيطة، وهي مستمرة في احتلالها للاراضي العربية والفلسطينية حتى اشعار اخر. وبنفس الوقت تسعى اسرائيل لاختراق الوضع العربي من خلال التأثير على خلافاته، وهي تسعى لمد خيوط وبناء تحالفات وذلك في اطار ما تراه انه عامل من عوامل استمرار قوتها ومواجهتها للمرحلة المقبلة. اما الولايات المتحدة فهي بدأت الآن حربا على الارهاب، وهي في هذا سوف تتواجه مع كل من يتردد في مساعدتها في هذه الحرب. وقد تكون الولايات المتحدة مجرد دولة، ولكنها دولة كبرى تستخدم قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية لعزل الاطراف المناهضة لها، ولضمان تفوقها واستمرار قوتها. فهذا ما فعلته مع العراق حينما غزا الكويت، وهو ما فعلته في سياستها الرامية لاضعاف الدول والاتجاهات التي تتصادم معها. السؤال أمام العرب وهنا أهمية عدم الوقوع ضحية سعي الخارج لضمان نجاح توجهاته: كيف ننتقل من المدرسة التي تحمل الخارج كل شيء، لصالح حالة تنجح في تحمل المسئولية تجاه اوضاع العالم العربي؟ ماذا تفعل الاقتصاديات العربية امام الاقتصاديات الدولية حيث تحولت الدولة العربية الى هامش صغير في الاقتصاد العالمي؟ السؤال أمام قوة الاخرين وسياساتهم: اين السياسات العربية؟ وهل هناك فرصة لبناء قوة عربية لديها مقومات اقتصادية صحية، ومقومات فكرية تقوم على حرية الفكر، وحركة ثقافية التنمية؟ ويبقى السؤال امام نفوذ الأخرين، وامام تنظيم الاخرين اين العرب أو دولهم او تياراتهم او احزابهم من كل هذا؟ بين الرأيين: الرأي الذي يرى ان اوضاع العرب مسئولية الاخرين، وبين الرأي الذي ينطلق بأن أوضاع العرب امر مرتبط اساسا بدولهم وبأنظمتهم وبسياساتهم وبتياراتهم واقتصادياتهم.. فالظروف السيئة ليست مبررا للديكتاتورية، وهي ليست مبررا للتخلي عن مشروع التنمية. كما ان قوة اسرائيل ليست مبررا لعدم تبنينا لتنمية اقتصادية على الطريقة الامريكية او الاوروبية او الاسيوية. ان السقوط والنجاح امر يتطلب البحث عن الاسباب. كيف وصلنا الى ما وصلنا اليه؟ ان الجواب في جانب منه عند الولايات المتحدة او اسرائيل او الاستعمار او التاريخ، ولكن الجانب الرئيسي من الجواب هو الاخر عند العرب وعند المسلمين وهو في اقطارنا: فقد قصرنا بحق انفسنا وسمحنا لرياح التخلف بالسيطرة علينا، وابتعدنا عن البناء والابداع والحرية التي ترتبط بهما. ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت