معرض القاهرة الدولي للكتاب أصبح عيدا سنويا لمصر كلها، ذهبت اليه في مساء يوم الاثنين الماضي وكان معي الشيخ الطبلاوي. ولذلك اقتصرت شهادتي هذا العام على فن تلاوة القرآن. وهو فن كانت مصر تزهو به وتشتهر به بين الأمم.. وقد بدأت تلاوة القرآن الكريم في مطلع القرن الماضي بالشيخ أحمد ندا، وهو جد المطربة الشهيرة شريفة فاضل. وكان ينافس الخديوي في موكبه الرسمي، كانت مركبته يجرها ستة خيول ويتقدمها 6 من السياس وظهر معه الشيخ منصور بدار الذي أعجب به الخليفة العثماني فاستدعاه الى اسطنبول. وكان ثالثهم هو الشيخ علي محمود أعظم من أنشد التواشيح في التاريخ كله. ثم جاء بعدهم الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد الصيفي، وازدحمت دولة التلاوة بالعشرات من أصحاب الحناجر الذهبية. والصوت الجميل شرط وجوبي لقارئ القرآن ولمنشد التواشيح. والذي وضع هذا الشرط هو سيد الخلق محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام كان قد قرر تعليق جرس على أبواب المسجد الذي شيده، ولكن أحد الصحابة جاء عند المسجد وقال له.. يا رسول الله.. لقد رأيت فيما يرى النائم أنني أصعد على سطح المسجد، فأدعو المسلمين الى الصلاة بدعاء، الله أكبر أشهد أن لا اله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح.. لا اله الا الله. وقال الرسول: نعم ما رأيت. فأسرع الرجل صاعدا الى سطح المسجد، ولكن النبي صلوات الله عليه أمره بالعودة، وسأله سؤالا بسيطا.. أين أنت ذاهب، فأجابه سأصعد الى سطح المسجد كي أؤذن للصلاة، فنهره رسول الله قائلا، دع بلالا يؤذن فانه أندى منك صوتا. هذا اذن شرط لا اجتهاد فيه ولا تنازل عنه. أين هذا الشرط مما يجري على الساحة الآن؟ الجميع يقرأ.. أحمد عجوة وسعد عجوة ومحمد عجوة، وهي مسئولية الاذاعة والتلفزيون والأجهزة التي سمحت لهؤلاء بالظهور، لا صوت ولا طريقة ولا أسلوب ولا يحزنون. المسئولية كلها تقع على عاتق لجنة الاستماع، زمان كانت تضم الشيخ شلتوت والموسيقار مدحت عاصم، ومن بعده الموسيقار حسن الشجاعي، واللجنة التي يجب تشكيلها الآن لابد أن تضم موسيقيين أمثال عمار الشريعي أو كمال الطويل الى جانب رجال دين كبار أمثال المفتي ومدير جامعة الأزهر وبعض المشايخ من كبار القراء في دولة التلاوة، ويجب على هذه اللجنة عدم اعتماد القراء الجدد الذين يقلدون الشيخ رفعت أو الشيخ مصطفى اسماعيل أو الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، اننا لا نريد مقلدين. ولماذا أقلد الشيخ مصطفى اسماعيل بينما الشيخ مصطفى اسماعيل لا يزال حيا يرزق، أشرطته موجودة. والاسطوانات تحمل صوته، وأي مقلد مهما كان لن يستطيع أن يرتفع على مستوى الأصل. نريد اضافة جديدة الى ميراثنا القديم العظيم. نريد أن نعيد الى دولة التلاوة مستواها الرفيع العظيم. أخيرا استدعت لجنة الاسمتاع الشيخ الطبلاوي للانضمام الى اللجنة وهو أمر طيب وكان يجب ضم قراء آخرين في مستوى الشيخ الطبلاوي، ولكن ضم الشيخ الطبلاوي وحده لا يكفي، ويجب الاسراع في انشاء اللجنة، على النحو الذي يمكنها من اكتشاف أصوات جديدة تثري دولة التلاوة وترفع مستواها، وبدون انشاء هذه اللجنة التي ندعو اليها، سنتوه كثيرا وطويلا، وزمان كان للجنة قانون واحد يجري تطبيقه على الجميع، عندما بدأ تنفيذ وعد بلفور وتقرر تسليم فلسطين لليهود، عندما جاء الوقت أخذت الادارة الانجليزية في الانسحاب من فلسطين، وقد بدأ الانسحاب باغلاق اذاعة الشرق الأدنى التي كانت تبث برامجها من حيفا، وكان يعمل فيها عدد من الأدباء والفنانيين المصريين واللبنانين. أذكر منهم عبدالمجيد أبو لبن والكاتب عبدالرحمن الخميسي والصحافي اللبناني سليم اللوزي، والمقرئ الشهير المرحوم الشيخ محمد فريد السنديوني. وقد غادر فلسطين هؤلاء الكتاب قبل نشوب الحرب في عام 1948. وجاء الشيخ السنديوني الى القاهرة، وأراد أن يقرأ في الاذاعة. ولكن طلبه قوبل بالرفض ما لم يؤد الامتحان أمام لجنة الاستماع. ولكن الشيخ السنديوني رفض وكيف يؤدي الامتحان قارئ معروف وتذيع له اذاعة الشرق الأدنى واذاعة الهند العربية واذاعة لندن العربية؟ ولكن اللجنة أصرت على امتحانه قبل أن يذيع حرفا من اذاعة القاهرة، وأصر الشيخ السنديوني على الرفض، واعتزل التلاوة، وافتتح لنفسه قهوة في شبرا وسماها «صرة شبرا» وكانت تقع عند الدوران تماما، وكان يتردد عليها عبدالرحمن الخميسي وزكريا الحجاوي وغيرهما من أصدقائه. وبعد عام واحد مات بالسكتة القلبية ولكن أشرطته وتسجيلاته لا تزال تذاع من خلال بعض الاذاعات العربية.. ولكن لجنة الاستماع الحالية رفضت في الجلسة الأولى التصريح لبعض مشاهير القراء بالعمل في الاذاعة، وفي الجلسة الثانية وافقوا على ممارستهم التلاوة من خلال أجهزة الاعلام ووافقت اللجنة لبعض من لا يستحق التصريح له في وسائل المواصلات، وأصبح هدف كل قارئ أن يكتب على البطاقة عبارة (مقرئ بالاذاعة والتلفزيون) لكي ترتفع مكانته عند الناس ويرتفع أجره.. ولكن هذا الاسلوب سينتهي بنا الى اختفاء هذا الفن العظيم من بلدنا، وعندئذ لن نلوم أحد الا أنفسنا خصوصا وقد تضاءلت المساحة التي كانت مخصصة للتلاوة والانشاد في أجهزة الاعلام، وخيرا فعلت فقد اختفى القراء العظام وانكمش عدد المستمعين، بعد أن ساءت أحوال القراء وهبط مستوى الغالبية العظمى منهم. هناك سبب آخر غير اللجنة هو نظام الدور الذي تتبعه أجهزة الاعلام بالنسبة لاذاعة صلاة الجمعة عبر أجهزة الاعلام، مرتين للكبار في العام من طبقة الشيخ الطبلاوي ونعينع ومصطفى غلوش. ومرة واحدة في العام للمستوى الآخر من طبقة الهربكش، مع أن الاذاعة في الماضي كانت تحجز أفضل القنوات للشيخ رفعت والشيخ الشعشاعي والشيخ الشامي الدمنهوري والشيخ شعيشع. ولم تكن تسمح للصنف الآخر بالجلوس خلف ميكرفون الاذاعة. والآن هل نحن على استعداد للبدء في تصحيح الوضع؟ أرجو ذلك.