هذه مقولة كل سابح ضد كل تيار جارف في الحياة «ماذا صنعت بنفسي» ولأول وهلة تظن ان صاحب تلك المقولة لا محالة نادم على الذي صنعه بنفسه ولكن الحقيقة ليست دائماً كذلك، يدلك على ذلك استمرار القائل في الصنع بنفسه ما يتساءل عنه ويبدو أنه نادم عليه فليس كل قائل لتلك المقولة نادماً على ما فعل وإن ظهر بذلك المظهر النادم، وان اكثر ما يكون كذلك اذا كان القائل شاعراً، فالشاعر لا يؤخذ من قوله دائماً ما يظهر منه فأساليب الشعراء ليست دائماً تعني الحقيقة بوجهها الصارم الجازم وإلاّ لما كان للشعر امتياز على الكلام. ومن اولئك الذين قالوا تلك المقولة الجواهري في قصيدته الشهيرة «يا دجلة الخير» والتي مطلعها.. حَييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني يا دجلةَ الخير يا أمّ البساتينِ حييتُ سَفْحَكِ ظمآنا ألوذُ بهِ لَوذَ الحمائمِ بين الماء والطينِ تلك القصيدة التي هي في الحقيقة مناجاة في هدأة المحارب واستراحته لبلده الذي غادره بسبب مواقفه حتما السياسية حتى وقف لحظة نادماً ندم من لا يستطيع أن يرجع عما فعل لأن ما فعله ليس معصية يتوب منها بل مواقف وُسِمَ بها فهي كالوشم في وجهه لا تزول حتى قال: ماذا صنعتُ بنفسي قد أحَقْتُ بها ما لم يُحِقْهُ بروما عسفُ نيرونِ وما الذي فعله بنفسه الجواهري حتى أحرقها كما أحرق «نيرون» روما متعسفاً.. قال الجواهري.. ألزمتها الجد حيث الناس هازلةُ والهزلَ في موقفٍ بالجد مقرون فالجواهري ألزم نفسه الجد في موقف فيه الناس هازلة ضاحكة ساخرة وألزمها الهزل والسخرية في مواقف فيها أكثر الناس جادون. وذلك تناقض واضح يبدو لأول وهلة لمن يقرأ هذا البيت وربما ألقى باللائمة على الجواهري قائلاً ما هذا برجل عاقل يجدّ في مواضع الهزل ويضحك في مواضع الجد، انه احد رجلين إما مجنون وإما رجل لا يستحي ولا يقيم للناس ومشاعرهم وزنا. والحقيقة غير ذلك فإن الجواهري وأمثاله من الضاحكين وقت الجدّ الجادين اذا هزل الناس اولئك هم العقلاء الذين رأوا في جدّ الناس في الذي لا يستحق الجدّ والحزم فضحكوا، ورأوا في هزل الناس في مواضع الجدّ الحقيقية فجدّوا، اي باختصار هم الذين يدركون الامور على حقيقتها وهم الذين يسبحون ضد التيار. ولو أردت ان ترى شيئاً من تلك الصور الجادة المضحكة الداعية الى السخرية وظاهرها الجدّ وتلك المواقف الداعية الى الجدّ وظاهرها السخرية فإنك لن تجد أفضل من أيامنا هذه يتجلّى فيها ذلك. ـ ألا تضحك وانت تقلب قنوات التلفزيون فترى شاباً مذيعاً يحتفي براقصة من الراقصات وحوله جمهور من الشباب والشابات العرب يصفقون للراقصة كلما قالت كلمة عن «جهادها» الطويل في طريق الفن حتى وصلت الى قمة «المجد». ـ ألا تضحك وأنت تسمع تلك الراقصة «تحمد ربها» على أنه وفقها في طريق الرقص حتى بلغت منه مبلغاً عظيماً. ـ ألا تضحك وأنت ترى الآلاف من الشباب العربي يجتمعون لمذيع مهرج يصرخ عليهم وهم يرددون وراءه «إلَك». ـ ألا تضحك وأنت تقرأ في صفحة من صفحات جرائدنا مقالة طويلة عريضة من الفضيلة والالتزام وضرورة انقاذ شبابنا من صرعات الغرب والشرق في الموضة وغيرها وترى فوق ذلك صورة لعارضة أزياء تتحدى بالعري كل ما أفرغه الكاتب عن الفضيلة من قلبه؟ بلى، إنك تضحك من كل ذلك ولكنه ضحك دامٍ عرفه المتنبي فقال: وكم ذا بمصر من المضحكاتِ ولكنّه ضحكٌ كالبُكا