تطابقت الاستنتاجات السياسية وتحليلات الصحافة العربية والدولية في شأن عملية اغتيال الوزير والنائب اللبناني السابق ايلي حبيقة (أحد الرموز المليشياوية البارزة في الحرب الأهلية اللبنانية)، من حيث اعتبار هدفها الأول تغييب شاهد اثبات رئيسي على مسئولية ارييل شارون في مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في بيروت خلال الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 وأسفرت عن سقوط ما يزيد على ألف من المدنيين الفلسطينيين نساء وشيوخا وأطفالا. وقد عزز هذا الاستنتاج التأكيدات التي كانت صدرت عن حبيقة نفسه، لاسيما خلال لقائه وفد مجلس الشيوخ البلجيكي الذي زار بيروت أخيرا في شأن تصميمه على السفر الى بروكسل للادلاء بشهادته في الدعوى المقامة ضد شارون حول مسئوليته عن تنفيذ تلك المجزرة، حيث كان يقود العمليات العسكرية الاسرائيلية ويصدر الأوامر بصفته وزيرا للدفاع (آنذاك). ومن المقرر ان تنعقد المحكمة البلجيكية المختصة بعد اسبوعين للنظر في صلاحيتها بت هذه الدعوى. وكانت افادة حبيقة، في هذه الحالة، ستشكل عنصرا رئيسيا في مجريات الدعوى بفضل المعلومات الكاملة والتفصيلية التي يملكها حيث كان يشغل موقع مسئول المخابرات في «القوات اللبنانية» المتحالفة مع اسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية. ولكن على الرغم من ان عملية الاغتيال ترتبط ـ خصوصا ـ بهذا المف، الا ان المحللين السياسيين، وكذلك معظم المسئولين اللبنانيين، ينظرون الى الحادث من زوايا مختلفة، متوقفين في تفسيراتهم عند الاسلوب الذي قد يعتمد، من الآن فصاعداً، في فتح الملفات الحساسة، أو في محاولة الضغط لاغلاقها. واللبنانيون خبروا هذا الاسلوب جيدا وعانوا من نتائجه وآثاره المدمرة، حيث كانت شوارع بيروت تشهد تفجيرات دموية يومية ارتبطت مسئولية معظمها باسرائيل، لاسيما خلال المرحلة التي سبقت الغزو الاسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية من بيروت تحت الضغط العسكري الاسرائيلي المباشر. إن ربط هذا الحادث بالأجواء الناشئة عن تطورات ما بعد 11 سبتمبر الماضي ـ اضافة الى دافعه الأصلي المباشر ـ يبدو في رأي المحللين أمرا منطقيا جدا، فهو يأتي في أعقاب ما بدا انه تناقض جوهري بين الخطابين الامريكي والاسرائيلي من جهة، واللبناني (الرسمي والسياسي) من جهة اخرى، في شأن كيفية التعامل مع نتائج أحداث 11 سبتمبر، ومكافحة الارهاب، والموقف من حزب الله اللبناني، كحركة مقاومة مسلحة وكحزب سياسي، وسلوك هذا الحزب في المستقبل حيال المواجهة مع اسرائيل، وفيما يتصل بنشاطه المسلح في صوره العامة.وتكشف مصادر مطلعة عن وجود هوة واسعة بين الطروحات الامريكية التي ابلغت الى لبنان وحزب الله بوسائل مختلفة، لاسيما عبر المبعوثين الامريكيين الذين زاروا لبنان وسوريا ودولا عربية اخرى، تقابلها الطروحات اللبنانية التي ترفض وضع حزب الله على لائحة الارهاب، وتضيف نشاطاته على انها أعمالاً غير مشروعة. وتفيد معلومات هذه المصادر ان مطالبة الادارة الامريكية بتسليمها ثلاثة أشخاص ينتمون الى حزب الله على خلفية أعمال نفذها هؤلاء ضد أهداف امريكية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ليست سوى محاولة ضغط للمساومة على أمور أخرى تتصل بالتزامات الحزب المذكور وسياساته، خصوصا فيما يتعلق بالمواجهة مع اسرائيل. وفي هذا السياق فإن المطالب الامريكية تتمحور حول الأمور التالية: ـ أولا: التسليم بأن دور حزب الله كحركة مسلمة انتهى مع خروج قوات الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان وتصفية «جيش لبنان الجنوبي» التابع لها. ـ ثانيا: الاعتراف بأن «الخط الازرق» الذي رسمته قوات الطواريء الدولية العاملة في الجنوب اللبناني بعد رحيل القوات الاسرائيلية هو خط الحدود الفاصل بين لبنان واسرائيل، وبالتالي عدم القيام بأي محاولة لاختراقه. ـ ثالثا: معالجة موضوع مزارع شبعا التي يعتبرها لبنان جزءا من أراضيه بالوسائل الدبلوماسية وحدها، على ان تنحصر هذه المعالجة بالسلطة الحكومية دون غيرها. ـ رابعا: نشر الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية ومنع أي قوات غير رسمية من القيام بأي دور رديف في المناطق المحاذية للشريط الحدودي. ـ خامسا: تجاوب حزب الله مع دعوة الادارة الامريكية للتعاون معها في الشئون الأمنية، وفي موضوع مكافحة الارهاب تحديدا. وهذا يقتضي من حزب الله تزويد الأجهزة الامريكية المختصة بأية معلومات يملكها حول عناصر وقوى تتهمها واشنطن بالارهاب. ـ سادسا: التوقف عن تقديم أي دعم لفصائل المقاومة الفلسطينية، واجراء أي تنسيق معها، سواء كانت داخل لبنان أو خارجه، وهذا يعني بكل بساطة الانسحاب من القضية الفلسطينية والتعهد بعدم القيام بأي دور فيها مستقبلا. وتشير هذه المعلومات ايضا الى ان قيادة حزب الله رفضت هذه المطالب كليا، مذكرة بأن عددا من اعضائها وكوادرها مازالوا في السجون الاسرائيلية ومن واجبها مواصلةالعمل بجميع الوسائل الممكنة لتأمين الافراج عنهم. كما انها ترفض كليا الانسحاب من القضية الفلسطينية وهي تختار الوسائل المناسبة لدعمها. كذلك فهي لا تتصدر دورا لحزب الله يمكن ان يتحول فيه هذا الحزب (بما يمثل ومن يمثل) الى أداة أمنية امريكية، أو ان يجد نفسه يتبادل المعلومات مع الولايات المتحدة، وعبرها مع اسرائيل، برغم استمرار الصراع المصيري ضد الاستيطان الصهيوني. ومع ان مضمون هذا الحوار غير المباشر يكشف في حد ذاته عن طبيعة الاجواء السائدة في المنطقة، في ضوء التوجهات الامريكية الجديدة، الا ان قضية باخرة الأسلحة التي تدعي اسرائيل وامريكا ان لحزب الله علاقة بها، أضافت عاملا جديدا من عوامل التوتر، وزادت من احتمالات التركيز على الساحة اللبنانية بهدف الحصول على تنازلات من بعض القوى السياسية فيها لمحاصرة الموقف الفلسطيني عربيا، بعد ان تمت محاصرة السلطة الفلسطينية داخليا. ويرى المراقبون في التحرك العسكري الاخير لحزب الله في منطقة مزارع شبعا الحدودية محاولة لتأكيد رفض الخيار الوحيد الذي تحاول الادارة الامريكية فرضه عليه، أي القبول بشروطها، وكذلك اختبار نوع ردود الفعل الاسرائيلية والمدى الذي يمكن ان تذهب اليه حكومة شارون لفرض سياستها العدوانية.إن هذا التحرك، كما يصفه أحد المحللين، نوع من أنواع الحوار، بل انه تصعيد في لهجة الحوار وتغيير في وسائله، مع الحرص على ان يستمر ضبط هذا الحوار والسيطرة عليه، بحيث لا يتجاوز ما هو مطلوب منه حتى الآن. وبرغم ان عملية اغتيال ايلي حبيقة تدخل في ملف خاص مستقل، الا انه يمكن اضافتها الى أدوات الحوار الذي بدأت الاطراف المتواجهة استخدامه. وفي هذه الاجواء المتوترة، يتزايد طرح الاسئلة القلقة حول احتمال ان يفلت زمام الأمور من أيدي اللاعبين الرئيسيين، فدائرة الفوضى تتسع يوما بعد يوم، ومكافحة الارهاب أصبحت ذريعة مكشوفة لتصفية كل الحسابات القديمة والجديدة. واذا كان اللبنانيون يبدون قلقين حيال تطورات الأيام الأخيرة، فإن من حق الفلسطينيين ان يتساءلوا الى أين ستقودهم سياسة شارون العدوانية، وهل هم فعلا قادرون على اسناد ظهورهم الى جدار الدعم العربي، خصوصا بعد ان أعلنت الادارة الامريكية وقوفها ضد الفلسطينيين، وتأييدها المطلق للعدوان الاسرائيلي؟! ان من شأن هذه التطورات المتسارعة اضفاء مزيد من الأهمية على القمة العربية المقرر عقدها في بيروت أواخر مارس المقبل، فثمة أمور كثيرة مطلوبة من هذه القمة، أولها ان يقرر القادة العرب كيف سينقذون الشعب الفلسطيني من بين فكي الكماشة الاسرائيلية ـ الامريكية، وكيف سيعبرون عن التزامهم بالقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية. والأهم من كل ذلك كيف سيواجهون الضغط الأمريكي؟! ـ كاتب لبناني مقيم في باريس