يقال بأنه أحرج موقف تمر به السلطة الفلسطينية هو اليوم، والكل يدرك تماماً وأولهم العرب أن الاجراءات الانتقامية التي تمارسها إسرائيل اليوم عليها وهي تحملها كل الآثار المترتبة على الهجمات التي بدأت تتصاعد وتيرتها مع تصاعد العنف الاسرائيلي لا أحد يتحملها سوى الشعب الفلسطيني وسلطته الحبيسة المحاصرة، والكل يعلم أيضاً أن التصريحات الأمريكية التي بدأت من أكبر رأس على قائمة السلطة هناك، من بوش نفسه، حول ضرورة عزل عرفات وعدم الاعتراف به، وعدم التعامل معه، واعتباره نكرة، والتهديد بإغلاق مكتب سلطته ومباركة خطط شارون ودعم انتهاكاته الإنسانية لن تكون دخاناً من غير نار. إلا أن السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات نفسه، ليس له خيار سوى الصمود، والشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميا لأبشع أنواع الإذلال والتركيع ويرسل الشهداء والجنائز كل يوم إلى المقابر ليس أمامه ايضا خيار آخر سوى النضال من أجل نيل الحقوق المسلوبة. أمام هذين الخيارين لا يكون أمام الشعب الفلسطيني وسلطته سوى المضي إلى المصير الذي اختير مسبقاً وهو مصير النضال، وأمام هذين الخيارين أيضاً فإن أمريكا اعترفت بياسر عرفات رئيساً ام لم تعترف، وسواء أغلقت مكاتب سلطته عندها أو هزت ذيل شارون وداعبته وهو يذبح الفلسطينيين وباركت إرهابه فإن الطريق واحد حتى ولو احترقت المنطقة بأكملها. لكن السلطة والشعب الفلسطيني والقضية نفسها في الميزان العربي، وفي واقع هذا الصمت يبدو أنها سقطت من حسبة المستقبل تماماً، وإذا ما قلنا بوضوح إن أمريكا قد تمضي بقوة في تحقيق أمنية شارون باستبدال عرفات ولو بالقوة، وان أمريكا بيد اسرائيل سوف تعمل على تصفية كل المناضلين، وسوف تشرد أو تسجن أو تقتل بيد الاسرائيليين أيضاً كل من ينضم إلى جهة نضالية فلسطينية تحت مفهوم مكافحة الإرهاب، وهو الذي يكشفه الظاهر والباطن الآن في التصريحات والتلميحات، فماذا سيفعل العرب حقاً؟ الواقع يقول إن الأصوات العربية المرتفعة قليلاً تُحذر الحكومة الأمريكية من هذا الانحياز لإسرائيل، وانها ترى أن مساس سلطة عرفات سوف يجر على المنطقة الويلات، لكن أي ويلات، ولنكن منطقيين، فويلات الزعل العربي تعرفها أمريكا جيداً، وتعرف تماماً كيف تتعامل معه. هذا بعد أن قوّضت كل حالة يستطيع فيها العرب الضغط عليها وعلى رأيها العام. العرب لا يملكون التأثير المناسب في الرأي العام الأمريكي ولا العالمي، والعرب نفضوا أيديهم من استخدام أسلحتهم الاستراتيجية، والعرب وثقوا في أمريكا الوثوق المطلق في أنها الأولى والأخيرة القادرة على حل معضلات الشرق الأوسط. إذن الحل بيدها أولاً وأخيراً.. وإذا ما قالت إن على عرفات تبديل ضميره تجاه قضية شعبه، فإن على الجميع السمع والطاعة.. وإلا من يشك في عكس ذلك؟ halyan@albayan.co.ae