وما زالت القدس عروس عروبتكم.. ما زالت الدرب الذي يمر به الراحلون نحو السماء، شهداء وأنبياء.. ما زالت المدينة الأقدس والأرض الأشهى، ما زالت المسرى والشهيدة والشاهدة والشهادة.. ولأجلها تناثرت تلك المقدسية الأبية لتنضم الى قوافل الشهداء الراحلين كل يوم بوجوه مكشوفة صوب السماء في حراسة الملائكة، تاركين اسم فلسطين مرسوماً بالدم على بوابات السماء ووجدان كل العالم! من أين انتهضت تلك المجدلية المقدسية الحرة، من أي بيت ومن اي حي، وما اسمها؟ لم تترك اسماً ولا رسماً، لكنها اخذت كل الاسماء المعطرة بالقداسة فربما كانت مريم وربما لينا أو فاطمة وربما كانت آمنة أو زينب أو ماريا، ربما كانت من قلقيلية أو الخضيرة أو أم الفحم أو يافا او حيفا.. ذلك كله لا يهم، فهي على أية حال، زهرة ارتوت بقداسة الدم، وروت أقدس ارض على وجه الدنيا.. وارتحلت مجللة بالشرف والغار ومجد الأنبياء والقديسين، ارتحلت شهيدة منداة بمطر كانون اللذيذ في سماء القدس، شاهدة ومتبرئة من ذل عربي بلا نهاية! لم تفجر نفسها لأنها ارهابية لها مع الحياة خصومة ومع الحضارة عداوة، ولم ترتحل بألق النهار واشراقات الخلود حاملة صفة قاتلة أو انتحارية، لقد ارتحلت شهيدة ضاقت نفسها بسجن الذل الذي لا دليل على قرب انهياره، وبحصارات من العجز المتراكم احقاباً وارتالاً وجيوشاً وأنظمة.. بينما لا بصيص لنور أو أمل على مخرج او انفراج. وبدل ان تذهب الى جامعتها وتجلس على مقاعد الدراسة مع زميلاتها وزملائها، تكتب في كراس النكسات أسطراً، وفي دفاتر الهزائم والمآسي حكايات جديدة، تزنّرت هذه المقدسية الحرة بقنابل غضبها، وانفجارات شعب يعلن وفاته بمجرد ميلاده، وامتطت صهوة الألق ودعوات الوالدة المباركة، وتبللت بمطر كانون وقرأت الشهادة بثبات ثم انفجرت كنبوءة وارتحلت كشهقة حياة ستولد في الصباح الآتي والذي لأجله امتطت صهوة الشهادة.. هذه المقدسية المليئة بشهوة الحياة الأطهر. ضجرت من اليتم، والذل، والقهر، ضجرت من قوافل الشهداء ضجت دماؤها من الوهم، ودهليز العار العربي الطويل، ذابت روحها لكثرة ما قدمت من تبريرات لجندي صهيوني حقير يستجوبها مجيئاً وذهاباً، ويعتدي على طهارة إبائها وحقها، بأسئلته وعيونه وسلاحه وتفتيشه القهري القذر! لم تمت لأجل السلطة، ولم تتناثر على ثرى القدس فداء لرجال الحكم الفلسطيني، فهي لا يعنيها مصير عرفات الذي أدان موتها الطاهر علناً كي يفك شيئاً من حصاره، كان الوطن حاضراً في بالها منذ (تزنرت) بالموت والمتفجرات، وليس كحضور الوطن في البال ما يمكن ان يدفعك للموت وعلى شفتيك ابتسامة من نوع لا يعرفه سوى هؤلاء الذين ولدوا وعاشوا ويموتون بين حدود المصادرة والحصار والموت يومياً. ارتحلت شهيدة القدس التي انضمت لنضالات اخوتها الاستشهاديين، ولا يعنيها ان تبرأت السلطة منها أم لا، لأنها تعلم بأن الوطن سيضعها في حبة القلب ويغمض عليها العينين، ولأجله اعطت روحها، ونثرت دمها، وليس لأجل رجال يبتسمون بخوف، وينامون في الذعر، ويجلسون على طاولات المفاوضات ليساوموا على الوطن، ويراهنوا على القضية، ويبيعوننا الوهم كل لحظة. نامت في الليل طفلة في عيون أمها، وانتهضت في الصباح مارداً اقض مضجع شارون، وجعل بوش وتشيني ورامسفيلد وكولن باول يدورون حول أنفسهم حيرة ورعباً، بينما أدخل رئيس شرطة الكيان الى غرفة الانعاش، فلا نامت اعين الجبناء في شرق العالم وغربه. لقد نامت في الليل عالمة بدروب صباحها الآتي، متيقنة بأنها تمضي لشهادة ولقيامة الدم الذي وحده قادر على حسم هذه القضية، لم تمتهن واخوتها الارهاب، لكنها أمريكا ومعها اسرائيل صنعتا كما لم يصنع احد في التاريخ سطوة ارهاب لا مثيل له ابداً، ولا يهمها ان وصفتها الصحف بالانتحارية او التي فجرت وقتلت، فقد روت أرض الاسراء، وانقذفت كالسهم من قلب الموت، معلنة حضورها وشهادتها وتاريخا جديداً ستكتبه أخريات. aishasultan@hotmail.com