هل ينجح عمرو موسى في مسعاه المخلص والحثيث لتحقيق مصالحة كويتية عراقية يمكن أن تؤدي عند نهاية المطاف الى تجنيب العراق شر ضربة أمريكية؟ قبل محاولة الاجابة عن هذا السؤال علينا ان نستذكر ان عمرو موسى، أولا، دبلوماسي محترف، وثانيا ان تحركه الدبلوماسي الاحترافي يخضع لمحددات واقع عربي، وثالثا أنه مهما أوتي من المهارة الدبلوماسية مع صدق الطوية والحس القومي ونبل الهدف ـ وهذا كله متوافر بكثرة لدى عمرو موسى ـ فانه في تحركه المهني لا يمثل ذاته وانما يمثل المؤسسة التي يحمل اسمها رسميا. ميزة عمرو موسى الكبرى انه رجل ذو مبادئ تنطلق من حسه القومي العربي واستقلالية شخصيته والتزامه الأخلاقي. ودبلوماسي بهذه الأوصاف لن يقبل حبس تحركه العملي داخل الاطار التكنوقراطي الضيق. لكن المشكلة هنا هي أن النزعة الى التحرر من القيد التكنوقراطي قد تتناقض أحيانا مع الالتزامات البيروقراطية للمنصب. مع ذلك فان عمرو موسى ليس شخصية رومانتيكية. اذ يبدو ان خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي الاحترافي أورثته ايضا حنكة براجماتية ترشده الى ضرورة توخي المرونة في المواقف المستعصية. هذا يعود بنا الى السؤال المطروح بشأن ما اذا كان سعى عمرو موسى الامين العام للجامعة الى تقريب الشقة بين الكويت والعراق بما يمكن ان يسهم في تكوين موقف عربي عام يؤدي الى تجنيب العراق ضربة أمريكية. لا شك عندي ان عمرو موسى مدرك من أول وهلة لاستقصاء المهمة التي قرر ان يكلف بها نفسه. ولا شك انه مدرك لمدى تعقيداتها من حيث ان المشكلة ليست محصورة في الاطار الثنائي لدولتين عربيتين. فهي قضية، كما يعلم عمرو موسى علم اليقين، ذات ابعاد اقليمية ودولية،بحيث ان أي حل لها مستحيل دون الأخذ في الاعتبار نوايا وأهداف كل الاطراف الاقليمية والدولية. وحتى لو أخذت هذه النوايا والأهداف في الاعتبار فان جهود الأمين العام للجامعة العربية تبقى في نهاية الأمر مرتهنة الى اجماع عربي رسمي علما بأن تحقيق مثل هذا الاجماع هو في حد ذاته مشكلة. ان الدبلوماسية ـ كما السياسة ـ هي فن الممكن. واذا كان من الصعب تصور نجاح جهود عمرو موسى، بناء على هذه القاعدة الأزلية، في تحقيق وفاق كامل بين الكويت والعراق، فانه ليس معنى ذلك التقليل من أهمية هذه الجهود وقيمتها. ويكفي ان مجرد تحرك الامين العام للجامعة العربية في اتجاه الكويت وبغداد للمرة الاولى منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما ترتب عليه من تداعيات ونتائج يجب ان يعد في حد ذاته انجازا.. يمكن ان يكون بمثابة وضع اساسي تبنى عليه جهود مستقبلية. لقد شخص عمرو موسى الى بغداد. ثم شخص الى الكويت. وفي الزيارتين عرض أفكارا وتلقى أفكارا. وبعد ان تبلورت لديه مقترحات عراقية محددة بشأن مستقبل العقوبات الدولية المفروضة على العراق وكيفية التعامل معها ذهب عمرو موسى ايضا الى الرياض. واسفر اجتماعه مع ولي العهد السعودي الأمير عبدالله عن موافقة سعودية ليقوم عمرو موسى بعرض المقترحات العراقية على العواصم الغربية والأمم المتحدة. واذا استعدنا الى الذهن مدى تعقد المشكلة العراقية ببعديها الكويتي والدولي وما أضافت اليها اثنتا عشرة سنة من الاستعصاء فان ما أنجزته مهمة عمرو موسى حتى الآن يعتبر اختراقا نسبيا. لقد اتهمت صحيفة عربية عمرو موسى بأنه مندفع بطموح شخصي. وحتى لو صح هذا الاتهام فان الانصاف يقتضي القول أنه طموح نبيل حتى لو كان شخصيا.