استعمل صديقي ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الأسبق عبارة «الغرق» حين تحدث في مقاله الاسبوعي الصادر يوم 19 يناير 2002 عن افلاس الشركة العملاقة الامريكية المتحكمة في الطاقة «إنرون» والتي تربعت على عرشها في ولاية تكساس لتدير دفة النفط وما يتبع النفط من طاقة كهربائية هي عصب الصناعة الامريكية بل الاقتصاد الامريكي. والذي وقع يوم 10 يناير هو أشبه بانهيار البرجين التوأمين يوم 11 سبتمبر حين تهاوت قلعة «إنرون».. مدمرة معها مجموعة رساميل ضخمة تراكمت عبر سبعين عاما أودعها أثرياء امريكيون جيلا بعد جيل، ثقة منهم في مستقبل الطاقة ومستقبل الريادة الامريكية في حقول نفط العالم. وكادت القلعة وهي تهوي ان تسحب معها عائلة بوش أباً عن جد الى غاية الحفيد الرئيس الحالي جورج دبليو، نظرا للعلاقات القديمة والحميمة التي تربط بين آل بوش و«إنرون» من جهة وبين «إنرون» وسرايا الحكم في واشنطن من جهة ثانية. فشركة انرون أخطبوط متعدد الأذرع يمتد على القارات الخمس ويتعامل مع الملوك والرؤساء كأنهم وكلاء، يأمر فيطاع ويدفع ويخفض ويرفع ويطرح ويجمع ويصول ويجول.. وبالطبع حاولت الادارة الامريكية انقاذ المارد من الوقوع أرضا بحقنه بجرعة من الاعفاءات الضريبية، لكن منظمة التجارة العالمية رفضت هذا الاجراء الامريكي، واغتنم الاتحاد الاوروبي هذا الرفض الصادر عن المنظمة فأعلنه في بيان اللجنة الاقتصادية الاوروبية. يقول الصديق ميشال جوبير بأن افلاس «إنرون» هو أول ضربة كبرى وموجعة يتلقاها النظام الرأسمالي المتعاظم في الولايات المتحدة في مطلع هذا القرن الجديد، بل تتلقاها آلة العولمة الامريكية كطعنة في هيبتها مما سيبحثه المؤرخون ويفكر فيه المفكرون. فالعملاق «إنرون» هو الذي كان وراء رفض الحكومة الامريكية التوقيع على اعلان «كيوتو» الخاص بحماية فضاء العالم من التلوث في عهد كلينتون، مما فتح الباب أمام فوضى التصنيع والطاقة وتوسيع أخطار التلوث الى ظاهرة كونية تنشأ في أمريكا ويتحملها العالم بأسره. ثم ان كارثة افلاس «إنرون» ليست فقط كونية، بل هي أساسا أمريكية قومية لأن هذه الشركة دأبت على تمويل الحملات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية بصورة غير متوازنة بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولكن بطريقة أكثر كرما مع الجمهوريين وأكثر أكثر كرماً من آل بوش الجد والأب والابن في ظروف مختلفة الى درجة ان لجنة التحقيق المنبثقة عن الكونجرس شككت في امكانية قيام وزير العدل الأمريكي الراهن جون أشكروفت بتحقيقات في ملابسات افلاس «إنرون» بالنظر الى ما تقاضاه من «تسهيلات» في حملته الانتخابية مع رئيس «إنرون» السيد/ كينث لاي. ويمكن القول دون تردد ان افلاس «إنرون» ليس حدثاً اقتصادياً امريكياً بل يتخذ تدريجياً شكل وعناصر فضيحة أمريكية كبرى، سيتداعى فيها وحولها ومن جرائها رجال كثيرون، في عالمي السياسة والصناعة والمصارف، قامت مجلة «نيوز ويك» في عددها الأخير بنشر صورهم وأنواع علاقاتهم بالعملاق إنرون ومن بينهم بالطبع الرئيس بوش وبعض وزرائه وبعض مستشاريه وكثير من اصدقائه الشخصيين ولعل الأسم الأكثر تداولا في هذا الملف هو اسم نائب الرئيس ديك تشيني الخبير في الطاقة وحلقة الاتصال بين عالمي السياسة والطاقة. ثم انه من نافلة القول ان نعيد للأذهان العلاقة الجدلية الحميمة بين هذا الافلاس ـ الانهيار وبين سياسة واشنطن الخارجية وبخاصة ازاء الشرق الأوسط حيث يوجد كنز النفط ومخزونه وآباره، وهذا الشرق هو البؤرة الأخطر بالنسبة للأمن القومي الامريكي لا من منظور الاقتصاد كما كان الحال الى غاية 11 سبتمبر 2001 بل الأهم من منظور الأمن الامريكي الداخلي الذي اهتز وتهدد بعنف الطائرات ـ الصواريخ التي دكت البرجين في مدينة نيويورك وزلزلت مقر البنتاجون. ولعل هذه العلاقة بين افلاس «إنرون» وتهافت الاقتصاد الامريكي والسياسة الخارجية الامريكية ازاء الشرق الأوسط هي التي ستعدل من موقف الرئيس بوش حيال الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الذي يزداد يومياً توغلاً في المجهول، فاتحاً الباب على مصراعيه لفوضى اقليمية متصاعدة لعل بوادرها في مظاهرات مدينة معان الاردنية وعودة حزب الله لتحريك سلاحه ضد القوات الاسرائيلية المحتلة في مزارع شبعا. وربما لهذا السبب قامت صحيفة «لوموند» الفرنسية الاوروبية الشهيرة وشبه الرسمية بهجوم على تخبط السياسة الامريكية ازاء ما سمته لوموند «خروج اسرائيل عن الشرعية الدولية بمواصلة الاحتلال للأراضي الفلسطينية وتدمير المنازل وملاحقة الناشطين لاغتيالهم ومحاصرة رئيس السلطة دون وجه حق».. وجاءت هذه الادانة بقلم مدير صحيفة «لوموند» واسعة الانتشار وكبيرة التأثير يوم 1 يناير 2002 بعنوان «إلى أصدقائنا الأمريكان» وفي المقال اشارات ذكية وواضحة الى الانعزال الامريكي وتعملق القوة الامريكي بدون ضوابط، مما أتاح لاسرائيل حسب كلام مدير صحيفة لوموند، سن سياسة لا أخلاقية في الاحتلال والتهجير، هكذا ردت أوروبا «الفعل» أمام صلف السياسات الأمريكية، فهل هي اشارة الى ان «التحالف» الامريكي الأوروبي سيشهد تراجعاً أو مراجعة في الأيام المقبلة. على كل.. كان لانهيار شركة «إنرون» دوي ضخم تجاوز تكساس وتجاوز أمريكا ليعلن أن عهد ما بعد 11 سبتمبر 2001 بدأ بالفعل وان ضحاياه ليسوا كما نعتقد طالبان والارهابيين، بل لعل المساهمين المجهولين في رأسمال «إنرون» وكثيرا من أصحاب القرار الأمريكي سيكونون.. ضحايا! ـ استاذ بقسم الإعلام ـ جامعة قطر