في الوقت الذي كان فيه وزراء الداخلية العرب يعدون حقائبهم وأجندتهم تأهباً للسفر الى بيروت ليعقدوا مؤتمرهم (المقرر له اليوم) هناك على خلفية العافية الامنية التي سادت الاجواء اللبنانية.. وفي الوقت الذي يتطلع فيه المراقبون الى مؤتمر القمة العربية الذي سوف يعقد في بيروت ايضا بعد أسابيع من اليوم، فجأة يضغط زر المتفجر في صبيحة يوم حافل بالعمل آخر أيام الاسبوع الماضي، في المنطقة الشرقية من بيروت، ليقتل احدى شخصيات لبنان ذات العلاقة الواسعة والمتشعبة والمتناقضة. وهو إيلي حبيقة أحد أكثر الشخصيات اثارة للجدل والخلاف في لبنان، فيذهب حبيقة الى خالقه مع عدد من اصدقائه بينما كانوا في طريقهم ليقضوا وقتاً ممتعاً في رياضة الغوص البحري. ويأتي من يقول ان المغدور قتل بأصابع اسرائيلية وعلى وجه التحديد كانت نهايته على يد الموساد، ذاك الجهاز الخفي الذي كثيرا ما ضاعف الاعلام العربي من فعله «المخيف» وغير المعلن. والسؤال: اذا كانت اسرائيل قادرة على ان تخترق بيروت في هذه الصورة التي حدثت، فماذا بقي من بيروت أمنياً ليحتضن القمة العربية المقبلة، حتى ان احتضنت مجلس وزراء الداخلية العرب، واذا كان الموساد قادرا على الاستمرار في لعبة القتل من أجل أهداف ظاهرة أو خفية في عاصمة عربية ظن الجميع انها تتعافى، فأين الملاذ إذن من سكاكين هذا الجهاز لعدد من الناشطين العرب ضد أطماع اسرائيل، فوق ما يدفعه الاخوة في فلسطين كل يوم من دماء وأرواح؟ وربما يكون جهاز المخابرات الاسرائيلي هو من نفذ القتل أو أمر به، وربما كانت محاولة لصرف النظر عن محاكمة أرييل شارون القاتل والمشارك في مجزرة صبرا وشاتيلا من أجل تأخير أو تعطيل مسيرة المحاكمة التي تقام له في بلجيكا، وربما سبب آخر غير هذا أو ذاك، الا ان الأصل هو ان القتيل إيلي حبيقة لعب السياسة العربية من زاوية خطرة، وخطورتها تتمثل على الأقل في ان يفقد الانسان نفسه في التنقل من طرف الى طرف مناقض له، ليأتي بعد ذلك فقدان الروح، ولو متأخراً عن موعده عشرين سنة! ليس المهم هنا من نفذ القتل حتى لو قبض عليه، ولكن المهم ان نعرف كيف تؤدي النقاط الخطأ في السياسة العربية الى سيل من الاخطاء بعد ذلك لا يوقف مجراها حتى الاغتيال في وضح النهار. فإيلي حبيقة لا هو استمر ضد الأعداء السابقين ولا بقي من الاصدقاء اللاحقين، فحظي مقتله بمباركة الجميع! ومعنى ذلك ان بعض السياسة في بلادنا هي في الغالب تتأرجح (اكروباتي) بين المتناقضات بما ينم عن ان معظم الدوافع خلفها شخصية، وليست مبدئية، أحادية وليست جماعية، عاطفية وليست عقلانية، وذلك أبعد ما يكون عن الفعل السياسي الرشيد. من الوثائق المعلنة ان إيلي حبيقة قد ساهم مساهمة ما وبشكل ما في القتل الجماعي للفلسطينيين في صبرا وشاتيلا في سبتمبر المشؤوم قبل عشرين عاما تقريبا، وهذا أمر معلن ومذاع في أكثر من وثيقة مرئية ومسموعة، وعلينا ان نطالع الكتاب المختلف عليه الذي نشره أحد رفاق حبيقة في باريس. روبير حاتم المعنون «من اسرائيل الى دمشق» والذي وزع بالعربية على المتهم في شكل ورق مطبوع، كما علينا ان نشاهد ما بثه البرنامج الرابع في التلفزيون البريطاني، وغير ذلك من الوثائق حتى يزول الشك عن دور ايلي حبيقة في تلك المجزرة. ولكن من الحقائق ايضا ان ايلي حبيقة قد التحق بقافلة الصلح العام اللبناني، وأصبح نائبا ووزيرا لعدد من السنين، على قاعدة نسيان ما وقع في الاربع والعشرين ساعة من 16 ـ 17 سبتمبر 1982، والتي كانت ساعات مجللة بالسواد في التاريخ العربي المعاصر. لقد قُتل ـ صبرا ـ في تلك الفترة خمسمئة من الفلسطينيين ومئتان من اللبنانيين، وهم ابرياء أزهقت أرواحهم دون ان يكون لهم حتى حق الدفاع عن النفس.. والدم عادة يجلب الدم، كما تعلمنا من التاريخ الطويل للبشرية. ومن الوثائق المعلنة ان ارييل شارون ايضا في مأزق لكونه رئيس وزراء اسرائيل، ولكونه ايضا متهما في عاصمة دولة غربية لا تؤيد سياسته.. وربما كان قريباً من الإدانة، وايلي حبيقة يملك بعض الأسرار، أو هكذا قال من خلال وسائل الإعلام، دون ان يقدم ـ قبل مقتله ـ دليلاً ملموساً وظاهراً على ما لديه، فهناك إذن مستفيد واضح من قتله والتخلص من «شهادته» إن وجدت، هذا ما يقود إليه المنطق الأولي للأحداث. ولكن الأهم ان إيلي حبيقة في وقت ما كان حليفا لاسرائيل، بالمعنى العضوي، ومن ثم فإن تخلص اسرائيل منه اليوم، يؤكد ان الدعم (المقدس) لدى الدولة الاسرائيلية، هو دم الاسرائيليين فقط، أما كل الدماء ـ عدا ذلك ـ فهي غير مقدسة، سواء كانت حليفة أو عدوة، وكل الأسرار غير مقدسة أيضاً. والشواهد تقول ان هناك العديد من «التحالفات» عقدتها بعض الأطراف مع اسرائيل في السنوات الأخيرة، هذه التحالفات تؤكد الأحداث انها غير مقدسة في العرف الاسرائيلي، متى ما انتهت صلاحيتها، وهو أمر يقودنا الى التساؤل عن مصير التحالفات الظاهرة أو الخفية منذ منتصف السبعينيات: هل يبقى طرفها العربي بعيداً عن الافتضاح؟ وإلى متى؟ من المحتمل ان يكون من اتخذ قرار قتل إيلي حبيقة ايضا قد راهن على تفجير الشارع اللبناني قبل انعقاد مؤتمر القمة العربية المقبل، بحيث يمثل عقد ذلك المؤتمر في بيروت موافقة عربية ضمنية على ما تقوم به ميليشيات حزب الله في الجنوب اللبناني من أعمال «المقاومة» ضد اسرائيل، وهي أعمال تتهم علناً أو ضمنا بـ «الارهاب»، وتسبب الحرج لكثيرين في عواصم عربية مختلفة، وكل هذا يعني ان المؤتمر يعقد في جو من التشدد وعلى مقربة من دمشق، كما يعني افتقاد القائد الفلسطيني ياسر عرفات (الذي لم يطأ بيروت منذ سنوات طويلة لأسباب لبنانية)، حيث يعني غيابه القسري عن الاجتماع ادانة مكررة لأفعال اسرائيل. في كثير مما قرأنا يشير التحليل بأصابع الاتهام بمسئولية القتل المتعمد الذي استهدف ايلي حبيقة صبيحة يوم الخميس الماضي الى تل أبيب وأجهزتها السرية. ولكن في مجتمع تعوّد تفسير قضاياه من خلال نظرية المؤامرة، لا يمكننا ان نهمل احتمال تنفيذ «مؤامرة اخرى» قد لا تكون في الحسبان، تتوارى خلف المؤامرة الكبيرة، وتتدثر بدثارها، لتصرف الانظار عن القاتل الحقيقي، الذي يمكن ان يكون هو المستفيد من قتل حبيقة الآن. ففي السياسة، وخاصة الشرق أوسطية، علينا ان نتوقع غير المتوقع من هذه الأطراف غير المتوقعة»! حيث هناك علامة استفهام كبيرة: من يريد ان يعطل عقد القمة العربية الدورية الثانية في بيروت؟ وربما كان هناك من هذه الأطراف من يريد ان يطرح ـ في هذا الوقت الحرج ـ بعض القضايا العالقة، بالقول ان الحرب الأهلية اللبنانية لم تنته بالفعل، فقد توقفت معارك الرصاص لتبدأ معركة الكلام، والكلام احياناً يكون أقوى من الرصاص، بل كثيرا ما يكون الكلام هو فتيل التفجير، أو زناد البندقية، حيث يجيء دور الرصاص الذي يزيد معركة الكلام اشتعالاً. وقد يكون هذا الذي قتل حبيقة أراد ان يقفل الملفات المفتوحة، ولاشك في ان ملف هذا الرجل هو واحد من أكبر تلك الملفات منذ بداية الحرب اللبنانية. والسؤال الذي يطرح نفسه على المراقبين والمحللين الآن هو: هل قتل حبيقة هو نهاية فصل، أم بداية فصل جديد؟ سوف تتمخض الأيام القليلة المقبلة عن الاجابة المنتظرة لهذا السؤال! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت