يحكى في سالف العصر والأوان أن ملكاً ضاق يوماً بالحيوانات التي تؤرق أصواتها ليله، وأمر بقتلها جميعاً حتى انتهى بالكلاب. وفي اليوم التالي كان الملك يمني نفسه بنوم هادئ، ولكن عواء الذئاب دوى وارتفع في سماء المملكة فقد خلا الجو لها بقتل الكلاب. حاول الملك أن يجرّب في الذئاب ما فعله بالكلاب لكن جنوده عجزوا، فازدادت الذئاب ضراوة وشراسة. وتعالت شكاوى الناس من افتراس مواشيهم وإفساد زراعاتهم، فاتجهوا الى الملك متذمرين بأنه لو لم يقتل كلابهم ما جرؤت الذئاب على إفساد حياتهم، وهكذا بدأ التذمر بين العامة ودبّت الفوضى في أوساط القطعان والرعيان، والملك وجنوده عاجزون عن استعادة هدوء المملكة، فقد توحشت الذئاب حتى هاجمت مخدع الملك، فلا الملك استطاع النوم، ولا الاستقرار عاد إلى المملكة. هذه القصة القديمة هو بالضبط ما تريدنا عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 سبتمبر الماضي بشكل خاص. وما يجري في الأرض الفلسطينية هو مجرد بروفة لما تريده واشنطن للعالم العربي بأكمله، بل والإسلامي أيضاً. فمنذ اتفاقيات أوسلو أرادت أمريكا ومعها إسرائيل أن تكون السلطة الفلسطينية مجرد حارس أمين لمصالح إسرائيل. وطوال الفترة التي تصاعدت فيها وتيرة التعاون الأمني كانت السلطة تحظى بالرضا والقبول ففتحت لها أبواب البيت الأبيض مقابل الزج بالمجاهدين في السجون. وقدمت لها المعونات الفنية والمالية كمكافأة لها على الإخلاص في التنسيق الأمني. وسمح لها بالتزوّد بالسلاح لإنشاء شرطة قوامها 40 ألفاً طالما هدفها هو ضرب الشعب الفلسطيني والحفاظ على أمن إسرائيل. وعندما تمردت السلطة على هذه المعادلة بأكملها بفعل الضغوط الشعبية، أو بالأحرى عندما أجبرت على التمرد على هذه المعادلة بفعل هبة الأقصى في سبتمبر من العام قبل الماضي، حوصرت السلطة، وتم قصف مقراتها بواسطة الـ «اف ـ 16» والأباتشي. وتم منع المعونات المالية عنها، وأصبحت متهمة بالإرهاب ممن كانوا يأخذونها بالأحضان، كل ذلك لأن السلطة ـ ولو شكلياً ـ أصبحت ترفض أن تكون مجرد حارس أمين لأمن إسرائيل، ومن يحمي إسرائيل فهو بالطبع يحمي مصالح أمريكا وينال كل الرضا. هذا الحال الفلسطيني بوجهيه صورة مصغرة ـ لكنها حقيقية ـ لما سيكون عليه حال دولنا العربية إن نحن سقطنا في الوحل الأمريكي. هذا الوحل الذي يستدعي محاصرة العمل الخيري، وتغيير المناهج التعليمية، وفتح أبواب التنسيق الأمني على مصراعيها. وكل هذه المطالب شديدة الخطورة على مستقبل الأمة، لكن الخطر السريع هو المطلب الخاص بالتنسيق الأمني الذي ستلعب فيه وكالة الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي دور الأسد بينما نحن سنلعب دور الضحية. مثل هذا النوع من التعاون ـ إن حدث بالأسلوب الذي تريده واشنطن ـ سيجعل من أجهزة الأمن العربية مجرد وسيط يعمل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، كل مهمته رصد أبناء وطنه بحجة منعهم من تهديد المصالح الأمريكية. ويوماً بعد يوم ـ إذا تحقق هذا ـ فسوف يُصبح هذا الأمر حقاً مكتسباً للولايات المتحدة وأجهزتها لترتع في بلادنا كيف تشاء، فتعتقل من تريد وتقتل من ترغب في ظل الصلاحيات الجديدة التي منحت لها من الكونجرس. وقد تجد بعض حكوماتنا العربية نفسها أمام أوامر أمريكية بتسليم الآلاف من أبناء شعبها ـ تباعاً ـ بتهمة معاداة أمريكا أو كراهيتها، فإن رفضت ضربت. وكل شيء ممكن في عصر العولمة الأمريكية. وقد يكون مصير من يخرج على هذه المعادلة كمصير السلطة الفلسطينية. ليس هذا فقط، فهذا النوع من التنسيق الأمني سوف يدفع بكثير من الدول العربية ـ إن تورطت أمريكياً ـ إلى التركيز ـ داخلياً ـ على الأمن السياسي مع إهمال الأمن الاجتماعي، الذي هو الأمن الأهم لسلامة واستقرار أي مجتمع. وهذا يهدد ـ على المدى البعيد ـ تماسك واستقرار مجتمعاتنا العربية. ناهيك عما يمثله هذا التعاون الأمني من اختراق شامل لكل القطاعات، ومن ثم توسيع رقعة الطابور الخامس الذي لا يزال يتحرك على استحياء مكتفياً بدعوة العرب إلى التطبيع والتسليم بالأمر الواقع والتزام «العقلانية». وهذا الطابور يبذل جهده ـ الآن ـ ليل نهار ليقنعنا نحن العرب بأننا إرهابيون وعنصريون ونحتاج لأن ننظف أنفسنا وعقولنا بمساحيق وأفكار أمريكية. وفي تجربة العديد من الدول التي اهتمت فقط بالأمن السياسي عبرة وعظة، وهذه الدول موجودة بكثرة في محيطنا، فتحت ذريعة مقاومة «الإرهابيين» الإسلاميين جرى تلوين الأمن باللون السياسي فقط، فكان ثمرة ذلك انتشار المخدرات والعنف بين أفراد المجتمع، وتفشي الفساد الأخلاقي والمالي حتى في داخل الأجهزة المعنية، حيث أصبحت الرشوة حقاً لمن يطلبها، والسرقة لا تجد من يردع مرتكبها، خاصة إذا كان من أهل القمة. فالسلطة ـ وفق مفهوم الأمن الأعور ـ لا همّ لها سوى أمن الحكم فقط. هذه التجارب في الأمن السياسي إلى جانب تجربة السلطة الفلسطينية يجب أن تكون رادعاً وناصحاً لكل من يفكر في تقديم وتنفيذ الأجندة الأمريكية على حساب المصالح الوطنية لأنها وصفة سوف تقود في النهاية إلى حدوث انهيارات داخلية متعددة تمتد من الأخلاق إلى الاقتصاد إلى السياسة وإلى كرامة الأمة ووجودها ذاته. وفي النهاية لن يكون المصير بأفضل من نهاية ماركوس في الفلبين أو موبوتو في زائير أو نورييجا في بنما أو فوجيموري في بيرو أو شاه إيران الذي أطلق عليه عملاء المخابرات الأمريكية في مراسلاتهم ومهاتفاتهم خلال رحلة هروبه ما بين أمريكا وبنما والقاهرة اسماً حركياً هو «الخازوق».. فاحذروا الخازوق.