لا اعتقد ان لبنانياً واحداً سيأسف على رحيل الوزير والنائب السابق ايلي حبيقة لكثرة ما تلطخت يداه بالقتل وسفك الدماء من ابرياء المسلمين والمسيحيين ولكن لا احد ايضا برأيي كان يريد او يتمنى ان يرحل المتهم بالمشاركة في اراقة دماء الابرياء من مخيمي صبرا وشاتيلا اضافة الى اتهاماته العديدة الاخرى، بهذه الطريقة التي رحل بها. خاصة وانه رحل دون محاكمة تبرز وتبين للعالم مدى تورط مجرم الحرب ارييل شارون بتلك المجزرة البشعة التي هزت الضمير العالمي. وحدهم الارهابيون القتلة المتحكمون في سدة الحكم في تل ابيب الراغبون في ترحيله بهذه الطريقة وفي هذا الوقت بالذات، بهذه الطريقة حتى يفجروا معه الامن في لبنان عشية انعقاد مؤتمر القمة العربي المرتقب وحتى يفهموا سائر عملائهم السابقين بأن مصير كل من يخرج عليهم القتل ولو بعد حين. وفي هذا الوقت بالذات حتى يحمل معه الى الابد شهادته الدامغة عن تورط سيده في الجريمة مجرم الحرب ارييل شارون بمجزرة صبرا وشاتيلا كما كان متوقعاً ان يكشفه امام محاكم بروكسل لو تسنى له ان يفلت من قدره المحتوم. لقد رحل ايلي حبيقة غير مأسوف عليه، لكن السؤال الكبير الذي يبقى دون اجابة هو: الى متى يظل الضمير العالمي وخاصة ضمير الدول الكبرى وما يسمى بمؤسسات المجتمع الدولي ساكناً امام ما تمارسه هذه الدولة الخارجة على القانون ليس فقط فوق الارض المحتلة والمغتصبة في فلسطين بل وفي كل مكان تشعر فيه انها قد تتعرض للخطر؟ اذا كان الارهاب منبوذاً وحراماً وينبغي استنكاره وادانته لكل اشكاله وفي كل اماكن وقوعه فلماذا يسكت المجتمع الدولي على هذه الفعلة الاسرائيلية؟ فالساكت عن الحق شيطان اخرس؟ أليس من يقف وراء هذه العملية يستهدف أمن شعب وبلد بأكمله؟ ألا يعتبر مثل هذا العمل عدواناً على بلد آخر دون وجه حق والى متى هذه الاستباحة لبلاد الآخرين وسياداتهم؟ لكن اغتيال ايلي حبيقة يفتح بدوره ملف اخطر جريمة حصلت بحق الانسان العربي والفلسطيني في العقدين الاخيرين، جريمة بقر بطون الامهات والاعتداء على كرامات النساء والشيوخ وقتل الاطفال الابرياء بكل دم بارد على يد من يدعي ويزعم منذ خمسة عقود بأنه من اقصى الشمال «الغربي» حاملاً معه نموذج الديمقراطية واحترام حقوق الانسان!! ان من حق اهلنا في فلسطين وكذلك اهلنا في لبنان ان يرفعوا نداءً عالمياً مفتوحاً الى كل احرار الدنيا وشرفائها بهذه المناسبة، يدعون فيها الى وجوب تفكيك هذا النظام العنصري الفاشي والنازي الجديد المتحكم بسدة الحكم في تل ابيب بغير حق، وان يشرحوا للعالم كيف ان امر تفكيك هذا النظام بات حاجة انسانية ملحة لامن العالم واستقراره وسيادة بلدانه، وليس فقط من اجل استرداد الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية الثابتة في ارضه ووطنه. نعم ايها المسئولون في المجتمع الدولي من سيردع مخابرات هذا النظام من القيام بمهمات مماثلة لمهمة اغتيال حبيقة كأن يعتدوا على السيناتور البلجيكي الذي اجتمع بحبيقة قبل اربعين ساعة من اغتياله؟ أو اغتيال القاضي البلجيكي او الاوروبي المصمم على متابعة ملف مجرم الحرب شارون؟ او تصفية المحامي اللبناني الذي رفع الدعوة باسم اهالي صبرا وشاتيلا؟ ان معادلة مؤتمر دوربان يجب ان تحيي مجدداً على يد احرار العالم، المعادلة التي تقول بأن الصهيونية تساوي العنصرية والاستعمار وان نضيف لها الارهاب. نعم لان ارهاب الدولة المنظم الذي تمارسه اسرائيل يومياً بحق اهلنا في فلسطين وبالصورة البشعة التي تسجلها عدسات الكاميرا العالمية لا يمكن ان يسكت عليها اي حر شريف اياً كانت ديانته واياً كان انتماؤه الفكري والسياسي. والمطلوب حملة عالمية منظمة وموسعة لفضح هذه الممارسات العنصرية والمعادية للانسانية قبل فوات الاوان لان من يظن ان الامر سيقتصر في اضراره على الفلسطينيين واللبنانيين وحدهم مخطيء لا محالة ولاشك في ذلك، فالعنف يولد عنفاً مضاداً، ولما كان البادي اظلم وهو المفتري على الحق فإن اصحاب العنف المضاد سيلجأون الى مقاومة منظمة وشعبية طويلة الامد وسيستدعون التاريخ والايديولوجيا والدين والثقافة والتراث وكل مخزونهم الحضاري للدفاع عن حقوقهم المعتدى عليها، وهذا ما يحصل حالياً، وبالتالي لن يستطيع المجتمع الدولي ولا القوى العظمى مجتمعة ايجاد الحلول المناسبة لما تسميه بوقف العنف المتبادل. من هنا فإن حلاً واحداً يبقى امام العالم لوقف العنف المتبادل في الشرق الاوسط ألا وهو تفكيك الكيان الصهيوني الغاشي العنصري المتربع على سدة الحكم في تل ابيب. اما ان يتصور هذا المجتمع الدولي بان بامكانه ان يوقف دوامة سفك الدماء من خلال محاباة قادة اسرائيل في سياساتها والسكوت المريب على اعتقال رئيس الدولة الفلسطينية وابقاء الحصار مستمراً على اهلنا في الضفة والقطاع، وممارسة الضغوط على الحكام العرب والمسلمين ودفعهم الى زاوية التوسل والترجي بالامريكيين وبغير الامريكيين، فإن ذلك جميعاً ليس فقط لن يثني المقاومين عن المقاومة بل انه سيزيدهم اصراراً على ان الحل الوحيد المتبقي امامهم هو في تفجير اجسادهم وبشكل يومي في عمليات استشهادية بوجه المحتلين والغزاة والغاصبين. نعم لانهم يعتقدون وبصراحة بأنهم انما يفجرون بذلك اجساد من يمارسون فعل الاحتلال والاغتصاب والغزو وليس بحق مدنيين ابرياء.ويقولون ان من يريد ان يمارس البراءة والمدنية عليه ان يرحل عن بيوت الآخرين واوطانهم ويذهب الى حيث موطنه الاصلي المستورد منه ليمارس من البراءة والمدنية ما استطاع.انها فرصة جديدة امام العالم والضمير العالمي لرفع صوته عالياً ضد عصابة شارون الحاكمة في تل ابيب. وفرصة ذهبية امامنا نحن العرب والمسلمين لنرفع نداء الدفاع عن حقنا في مقاومة المحتل والغازي والمغتصب وبالطريقة التي نختارها لموتنا بعد ان سلبوا منا حق الحياة بكل اشكالها. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني