ماذا يقول هذا الرجل انني لم أفهم جملة واحدة مما يقول.. انها طلاسم، هذا ما سمعته من أحد رواد الندوات الثقافية في معرض القاهرة الدولي للكتاب وهو يخرج نافرا مع صاحب له من احدى الندوات، بينما كنت أتجول على مواقع الندوات للتعرف على الموضوعات والمحاضرين، وحينما وقفت أمام مقر الندوة التي خرج منها صاحبنا نافرا وجدتها عن النقد الأدبي، وكان من اللافت ان عدد المحاضرين الجالسين على المنصة يكاد يكون قريبا من عدد الجالسين على مقاعد التلقي والاستماع، وكانت هذه هي الصورة الغالبة في معظم الندوات التي يقدر عددها بالعشرات وكثير منها ربما لا يتجاوز عدد حضورها عدد محاضريها الا مخيم الابداع الموسيقي حيث لا يكاد يجد الحضور مكانا لهم خارج المخيم فضلا عن امتلائه بالداخل، ورغم شكوى معظم الناظرين من ضعف الاقبال في الاسبوع الأول بسبب افتتاح المعرض في موسم الامتحانات الذي انتهى يوم الخميس الماضي بسبب ظاهرة فريدة في مصر هي ان الطلبة في مصر لا يؤدون الامتحانات وحدهم وإنما فترة الامتحان تكون امتحانا للأسرة كلها التي عادة ما تعيش فترة توتر كامل يبعدها عن حضور أي فعاليات مثل معرض الكتاب أو غيره، ومع ذلك فهناك بعض الاماكن مزدحمة بشكل شبه دائم وهي ساحة المطاعم حيث تتشابك الفلافل مع الهمبورجر والكشري والشيبس، ولعل هذا ما دفعني الى الابتعاد قليلا عن هموم الندوات وقلة حضورها وعقم الموضوعات المطروحة والتي تستعصي في كثير من الاحيان على فهم عامة رواد المعرض الى قضاء بعض الوقت في ساحة المطاعم للتعرف على احدى الفعاليات المهمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، لاسيما وان الناشرين اللبنانيين منهم والسوريين الذين احتجزت كتبهم في ميناء دمياط بسبب مشكلات الشحن والرقابة والجمارك لم يتركوني أتجول بحرية وظلت هذه القضية هي محور قصص المعرض طوال الأسبوع الأول منه. وحتى كتابة هذه السطور، وقد سعيت للتعرف على أبعادها عبر لقاءات كثيرة معهم ومع رئيس اتحاد الناشرين العرب المهندس ابراهيم المعلم، ووصل الأمر الى لقائي مع مسئول الشحن اللبناني الذي جاء من بيروت في محاولة لحل الازمة وسمعت منه هو الآخر قصة اخرى، غير ان الأمر في نهايته كان يجب ان يصب في مصلحة الناشرين حلا للأزمة وحرصا على مكانة المعرض الدولية ومكانة مصر الكبيرة ومعرضها الذي يعتبر من أكبر معارض الكتب ليس في العالم العربي وحده وإنما في العالم. في ساحة المطاعم رواج دائم يختلف عن الركود الذي يشكو منه الناشرون في قاعات وخيام العرض الخارجية، وكما تتنوع أذواق الرواد واهتماماتهم بالنسبة لما يقرأون تتنوع كذلك بالنسبة لما يأكلون. غير ان في الزاوية البعيدة لمجمع المطاعم وجدت اعلانا كبيرا جذبني لأنه لم يكن عن الكتب أو الطعام وإنما كان عن أحد أنواع الملابس القطنية الداخلية وتعجبت لموقعه داخل معرض الكتاب لاسيما وانني لم أزر المعرض منذ عدة سنوات بسبب أسفاري الدائمة وطبيعة عملي في الخارج. اتجهت صوب الاعلان فوجدتني على مدخل خيمة يعرض فيها كل شيء عدا الكتاب، وبها ازدحام يفوق أي قاعة عرض للكتب، حيث تعرض فيها كل أنواع الألبسة والاكسسوارات وحتى الحلويات والبخور، وأصر عارض الألبسة الداخلية ان يستوقفني ليعرض عليّ بضاعته ويشرح لي نوع الخيوط التي نسجت منها وكيف انها تتفوق على أفضل أنواع الألبسة العالمية غير اني قبل ان أتوقف للاستماع اليه قلت له بداية أنا لن أشتري ولكن لا مانع عندي من التعرف على بضاعتك، ضحك البائع لكنه واصل شرحه على أمل ان أغير رأيي، غير ان الأكثر طرافة عارضة كانت تعرض اختراعا حديثا عبارة عن ماكينة يدوية للف «المحشي» الذي عادة ما يلف باليد، وأخذت السيدة تشرح لي كيف ان هذه الماكينة الاختراع تلف كميات كبيرة من المحشي سواء من ورق العنب أو الكرنب أو غيره بسرعة فائقة وتوفر على سيدة البيت كثيرا من الجهد الذي يستغرقه اللف اليدوي وانتجت اثناء وقوفي عددا أو كمية لا بأس بها من ورق المحشي الملفوف لكني في النهاية خيبت ظنها رغم حبي للمحشي ومشيت دون شراء واحدة، غير ان بائع البخور الذي بعدها تفنن في عرض ما لديه من أنواع البخور حتى آخذ شيئا منها. وفي طرف الخيمة كان شابان يقفان أمام سماعات استريو ضخمة ويتمايلان مع المغني الذي لم أفهم شيئا مما يقوله رغم ان الصوت كان عاليا ويكاد يصم الآذان قلت لهما: من هذا المطرب؟ قالا في نفس واحد: أما تعرفه؟ انه شعبان عبدالرحيم. قلت لهما: آه.. نعم هل هذا هو؟ قلت لهم وماذا يقول: قالوا يغني عن «الجوزة والشيشة والمعسل» وهذا شريطه رقم اربعين. قلت لهم بتعجب: رقم اربعين؟ قالا: نعم. ثم قال أحدهما: «أليس لديك أشرطة له؟ قلت له: للأسف لا. فثقافتي ضحلة في هذا المجال.. خرجت بعد ذلك مسرعا من الخيمة لأتأكد من شيء واحد هو اني داخل معرض القاهرة الدولي للكتاب ولست في مكان آخر. فوجدت ناشرا لبنانيا يتجه نحوي حينما وجدني مذهولاً، وقال لي: استاذ أحمد.. هل علمت بآخر تطورات أزمة الكتب المحتجزة في ميناء دمياط؟ ـ كاتب وإعلامي مصري