أنا من دراويش اللغة العربية بمعنى أن الفقير كاتب السطور.. كَلِفٌ شغوف بها، محب بل عاشق لها، كيف لا وقد تعلمت إبان سنوات العمر الطويلة التي أمضيتها في الغرب.. أعايش اقوامه وأتكلم لغته وربما أكثر من لغاته، ان تحرير ألفاظ اللغة وضبط معانيها وتدقيق مفاهيمها وما تنصرف اليه من دلالات هو السبيل الأقوم، الطريق الملكي اذا شئت الى فكر أوضح وتفكير أشد عمقا وانضباطا؟ كيف لا وقد وعيت منذ بواكير الطلب الكلمة التي أطلقها يوما حكيم الصين القديم كونفوشيوس وقال فيها: اذا أردتم أن تصلحوا أمة، فأصلحوا لغتها. وأظن أن الدكتور طه حسين له كلمة مماثلة وربما قرأتها يوما ولكن شقاوة الذاكرة أبقت على معناها وإن لم تحتفظ ببلاغة المبنى ورصانة الصياغة التي ذهب اليها الدكتور العميد. واذا كانت دقة اللفظ وتحرير المعنى أمرا مطلوبا في كل حالة لغوية وبحيث يتم التواصل الانساني بين الناس في اطار من عافية الاداء ووضوح المرامي بعيدا عن أي سوء فهم أو عن أي (شوشرة) مفهومية، كما يقول أهل الاعلام ـ شوشرة سيمانطيقية كما يقول فقه الالسنيات ـ فإن هذه الدقة اللغوية تشتد الحاجة الى توخيها في حالة الترجمة من لغة الى أخرى ولاسيما عندما تكون بصدد نقل لفظ جديد أو مصطلح واحد مستحدث الى عمود لغتنا الشريفة الطيبة. ومنها لله السيدة الحديدية إياها ـ مرجريت تاتشر التي حكمت بريطانيا كما لاشك تتذكر في عقد الثمانينيات الماضي وكان أن عمدت الى تفكيك المؤسسات التي كانت مؤممة أو تابعة لدولة صاحبة الجلالة البريطانية وباعتها الى فعاليات القطاع الخاص فكان أن نجم عن هذه العملية مصطلح فرض نفسه من يومها على الأسماع والأفهام وهو في أصله الانجليزي ـ وأرجو أن تصبر قليلا على بنية النقل الحرفي ـ (برايفتايزيشن). واذا كان قومنا منذ أوائل القرن العشرين قد اكتفوا بنقل كلمات غربية ـ أعجمية بقضها وقضيضها مع لمسة يعربية هنا أو تكيف يعربي هناك (تأمل مثلا كلمة مثل أوتومبيل أو كلمة ريكوردر) ـ فقد جاءت أيام من النضج والتمرس اللغوي جعلتهم يعمدون الى تعريب تلك الترجمات العجفاء فكان أن عرفنا كلمة سيارة ثم كلمة المسجل (بكسر الجيم) أو في أقل القليل جهاز التسجيل. ولقد كانت قاعدة أوتومبيل جديرة بأن تتبع في أول الأمر مع الكلمة التي اسفرت عنها اجراءات السيدة تاتشر لولا أن كلمة (برايفتايزيشن) المذكورة أعلاه جاءت في شكلها اليعربي حملا ثقيلا من حيث الرسم والسمع والفهم على السواء.. وربما جاءت ادخل في قانون العقوبات منها الى اجراءات الاقتصاد ولذلك تحاشاها الكاتبون ومن ثم الطابعون حرصا على الصحة البدنية والنفسية لجماهير القارئين، لهذا نشط القوم على مدى سنوات في البحث عن المقابل ـ إن لم يكن البديل العربي للكلمة إياها.. وكان طبيعيا ولو من باب ممارسة المهنة أو فلنقل أكل العيش كما يقول المصريون ان نكون في مقدمة هؤلاء الناشطين المشمرين على ساعد الترجمة والنقل الى لغة العرب الأكرمين.. ولم يكن الأمر سهلا ولا ممهدا.. فالمصطلح المستجد كان قد شق طريقه من عقد الثمانينيات التاتشري الى عقد التسعينيات وكان ذلك على جناح التحولات العالمية الكبرى التي بدأت ـ كما لعلك تابعت ـ بانهيار الماموث ـ الديناصور السوفييتي ولما تنته بالدعوة الى اقتصاد السوق والى إعمال (بكسر الهمزة) قوانين العرض والطلب والى التحول من نشاط القطاع العام الذي تقوم على آلياته الدول والحكومات بكل ما قد تنطوي عليه من تعقيدات بيروقراطية واجراءات سلطوية الى حيث القطاع الخاص بكل ما به ـ هكذا روجوا للمسألة على الأقل ـ من خفة في الحركة وسرعة في الاجراء، وروح من المبادرة وقدرة على البت والحسم ـ باسم الله ما شاء الله ـ دون رطانة أو لف أو دوران. هنالك ـ في مستهل التسعينيات ـ بحثنا عن المصطلح المقابل الذي يمكن أن يحوز اجماع أو شبه اجماع على صعيد المشرق والمغرب من وطن العروبة الكبير.. ذلك هو التحدي المستمر الذي ما برح يواجه دوائر أقسام الترجمة العربية في كل أجزاء المنظومة الدولية للأمم المتحدة.. أن لا تستخدم مصطلحات ذات طابع اقليمي (مصري.. يمني.. سوري.. خليجي.. الخ) ولا حتى ذات طابع جهوي (في المشرق أو المغرب) وحين أمعنا في البحث وجدنا أن المصطلح المنشود يستخدم في بلاد اليعاربة على تسعة أوجه بالتمام والكمال.. وخذ عندك مثلا تعابير: التحول الى القطاع الخاص ـ أو الانتقال الى الملكية الخاصة أو التخاص أو التخصيصية أو المخاصة أو الخصخصة أو الخوصصة أو التخصيص أو التأميم العكسي أو تفكيك الملكية العامة و... العدد في الليمون كما يقولون.. ولقد ظل الأمر قيد المراوحة بين مد وجزر وبين بحث ودحض وبين أخذ ورد الى أن قيض الله لنا بعد رأي أن نقرأ في الصحف السيارة نبأ اقرار مجمع اللغة العربية العتيد في القاهرة لفظة الخصخصة التي حظيت بالاختيار السعيد من جانب مجمع الخالدين كما يسمونه في بلادنا ومن ثم كان الاحتفال بدخولها أو بالأصح ادخالها الى أجرومية ألفاظنا في اجراء يكاد يشبه منح الجنسية لكلمة دخيلة ظلت تطرق أبواب لغتنا سنوات طويلة الى أن فتح لها أهل المجمع وأفسحوا لها الطريق الى حيث الاستخدام المشروع. والذي حدث أن كان الفقير في اجازة شتوية قصيرة بالقاهرة التي جئناها من مقر عملنا في أمانة الأمم المتحدة في نيويورك وكان أن كلفونا أن نستثمر جانبا من تلك الاجازة ـ بغير بدل سفر طبعا ـ في الاتصال بدوائر المجمع الموقر للحصول على الوثائق التي تشهد باقرار مصطلح الخصخصة تمهيدا لاقراره ـ بدورنا ـ ضمن قوائم المصطلحات التي يتم تعميمها على مستوى منظومة الأمم المتحدة المنتشرة في أنحاء شتى من العالم. وكان أن زرنا مقر مجمع اللغة العربية في مقره المطل على نيل الزمالك من شارع المعهد السويسري (تأمل المفارقة بين اسم الشارع وعنوان المجمع) وكان في هذه الزيارة بداية تعارفنا على صديق ما لبث أن أصبح حميما مقربا من الوجدان هو الكاتب والروائي محمد مستجاب.. الصعيدي الذي يذهب الى مكتبه بالبدلة الأوروبية وبعدها يلقى أصدقائه بالجلابية البلدي البالغة الأناقة ويروي في ابداعاته سيرة عشيرته في ديروط من صعيد مصر الأعلى بعنوان (صعود وسقوط آل مستجاب) وكأنهم أبناء شارلمان عاهل امبراطورية بيزنطة أو في أقل القليل عائلة ابن طولون أو محمد بن طفج الأخشيد الذين تداولوا حكم مصر في سالف العصر والأوان، محمد مستجاب يحدثك عن فترة عمله خلال مشروع السد العالي في أسوان وكأنه هو الذي بناه شخصيا ـ ويكتب في مزيج من فيض المحبة ونوستالجيا الشوق الجميل عن جمال عبدالناصر.. لا بوصفه حاكما، فالحاكم يصدق عليه يوما تعبير أنه (كان) ولكن بوصفه كان إنسانا شهما وكان قيمة وكان رجلا ولا كل الرجال ومثل هذا الطراز من الرجال ـ القيمة ـ يظلون على مر السنين ملء السمع والبصر والذاكرة، باستمرار زودني الصديق محمد مستجاب بمحضر الجلسة المطبوع الذي أقر فيه المجمع اللغوي القاهري لفظة (خصخصة) ولأمر ما خيل الى العبد الفقير أن المجمع الموقر وافق على الكلمة بعد أن شاعت وذاعت على ألسنة أهل السياسة والاقتصاد ولم يعد من سبيل الى تجاهلها وقد امتلأت بها أسطر الصحف عن علم أحيانا وعن غير علم أحيانا أخرى. ورغم أن الكلمة استقرت ـ كما أتصور ـ في متن المصطلحات السياسية والاقتصادية المتداولة في (الأسواق) اللغوية العربية إلا أنني ظللت أتعامل معها بحذر بوصفها حديثة التجنس. وفي ربيع العام الماضي وقفت أتكلم في جمع ضم أعضاء جمعية حماة اللغة العربية ـ وكان الاجتماع في مقر المجلس الأعلى للثقافة في رحاب دار الأوبرا بالقاهرة.. ولأمر ما قلت في حديثي: ـ إن المجمع اللغوي وافق على كلمة خصخصة وربما أقرها المجمع على مضض. وفي نفس اللحظة ارتفع صوت فيه قدر لا بأس به من الحزم إن لم يكن الزجر يقول: ـ لا يا مولانا.. لم يكن في الأمر مضض وأنا الذي عملت على اقرارها. وكان صوت أستاذنا الدكتور كمال بشر أطال الله عمره وأسعد أيامه.. وكان في هذا التصحيح محقا بقدر ما كان حازما ومحبا، يومها تواعدنا على أن أتصل به كلما صادفنا مصطلح يكون محلا للجدل أو يكون (فيه نظر) كما يقول الفقهاء. وها أنذا أشرع في قراءة كتاب جديد لاشك أننا كلنا سمعنا عنه وإن كنت شخصيا لم أقرأه على مدى سنوات العمر.. هو كتاب طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي وهو من تحقيق العلامة محمود شاكر أكرم الله مثواه. ما ان قلبت الصفحة الأولى من الكتاب حتى بدأت في البحث عن هاتف أستاذنا الدكتور بشر.. لماذا؟.. لأن في الأمر مشكلة جديدة مع الصحافة والصحفيين هذه المرة.. فانتظر.