هل من المتصور ان ينهض زعيم عربي حاكم ليعلن على الملأ ان المقاومة الشعبية الفلسطينية ضرب من الارهاب جدير بالقمع المسلح المنهجي الذي يشنه ارييل شارون عليها؟ هذا بالضبط ما يريده الرئيس جورج بوش في نهاية المطاف من الحكام العرب. في الاسبوع الماضي تخلت الولايات المتحدة عن آخر ادعاء شكلي بانها وسيط محايد ونزيه بين اسرائيل والطرف الفلسطيني فقد قررت الادارة الامريكية اتخاذ تدابير عملية صريحة ومباشرة لاقصاء الرئيس ياسر عرفات من مجرى التاريخ. والرسائل التي بعث بها الرئيس بوش الى قادة عرب بشأن عرفات هي في الحقيقة بمثابة تمهيد لما سيأتي من اجراءات امريكية تريد واشنطن ان يقبلها العرب على اساس مبدأ «اما انت معنا او ضدنا» فهي رسائل غير قابلة للنقاش تماما كالرسالة المعممة التي بعث بها الرئيس الأمريكي الى نظرائه العرب عشية شن الحرب على افغانستان. غير ان الحالة الفلسطينية من المنظور الغربي، رسميا او شعبيا، تختلف تماما عن الحالة الافغانية. ولذا فان هذه الرسائل الامريكية الاخيرة تسبب للقادة العرب اعظم حرج في تاريخ العلاقات العربية الامريكية منذ زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977. موضوع هذه الرسائل هو حادثة سفينة الاسلحة التي ادعت الحكومة الاسرائيلية قبل نحو اسبوعين انها «ضبطتها» في عرض البحر الاحمر واتهمت الرئيس عرفات وطاقم السلطة الفلسطينية انهم مسئولون عنها. الآن يقول الرئيس بوش للقادة العرب عبر الرسائل التي وجهها اليهم انه «ثبت» لديه ان عرفات هو المسئول فعلا، مما ينهض دليلا ـ يواصل الرئيس الامريكي ـ بان عرفات زعيم ارهابي لا يرعى الارهاب فحسب بل يمارسه بنفسه. «الرسالة» داخل الرسالة اذن واضحة، فالادارة الامريكية اعتمدت رسميا الرواية الاسرائيلية لحادثة السفينة .. وبناء على هذا الاعتماد الرسمي صنفت الرئيس عرفات رسميا كارهابي ـ مثل اسامة بن لادن ـ مما يستوجب امريكيا «معاقبته» وبناء على هذا التصنيف الامريكي فان المطلوب من القادة العرب مقدما تأييد اي اجراءات عقابية تتخذها الولايات المتحدة ضد الزعيم التاريخي الفلسطيني. هنا نحتاج لوقفة: ان غالبية القادة العرب يحتاجون للتمسك بتأييدهم ودعمهم المتصل للرئيس عرفات ونهجه «الاعتدالي» من اجل تبرير عدم تأييدهم للمقاومة الفلسطينية المسلحة وفصائلها «حماس» و «الجهاد» و «فتح» الخ. واذا كانت واشنطن تطالب الآن القادة العرب بالتخلي عن تأييد عرفات فمن عسى ان يؤيدوا للمحافظة على صورتهم امام شعوبهم ـ بانهم مازالوا على مستوى المسئولية القومية «للتضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق وقيادته الشرعية»؟ هل يسحبون التأييد عن عرفات ـ بناء على الرغبة الامريكية ـ ليؤيدوا كتائب القسام و «كتائب الاقصى» وبقية فصائل الكفاح المسلح . وكلها مدرجة على القائمة الامريكية للمنظمات الارهابية؟ ما تريده واشنطن من القادة العرب هو اذن، وببساطة، ان ينضموا الى الخندق الاسرائيلي الامريكي لمحاربة «الارهاب الفلسطيني» وبعد الموقف الامريكي الاخير تجاه عرفات فان تعريف «الارهاب الفلسطيني» من المنظور الثنائي الامريكي والاسرائيلي يتجاوز فصائل المقاومة الشعبية ليطال السلطة الفلسطينية ورئيسها. باختصار بات الشعب الفلسطيني كله، جماهيرا وفصائل وسلطة ورئيسا، كيانا ارهابيا يصنف امريكيا واسرائيليا مع طالبان و «القاعدة» وفي هذا لا يختلف ياسر عرفات عن الملا محمد عمر واسامة بن لادن. وتبقى الكرة في ملعب القادة العرب.