أن تمر الأمة بأزمة (مهما كانت ضراوتها) هو أمر طبيعي ينبغي أن نكون تعودنا عليه بعد كل ما مررنا به من أزمات وانتكاسات وكوارث، استطعنا أن نعبرها حتى ولو كانت التكلفة باهظة والثمن الذي دفعناه من تقدمنا كبيرا. لكن المشكلة التي تواجهنا هي حالة العجز الفاضح عن التعامل مع الأزمة، هذا العجز الذي فرض نفسه على الجميع.. الحكومات والأحزاب والمؤسسات والجماهير. والأخطر من كل ذلك هو هذه الحملة التي تستهدف فرض القناعة بأن حالة العجز المميت هذه هي الوضع الطبيعي للأمة، وان عليها أن تقبله وتتعايش معه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هل وصلنا الى هذه الحالة؟ وهل نحن بالفعل أمة تنتظر الموت بعد أن كانت تمني نفسها بأحلام النهضة والوحدة والتقدم أم أن هناك طريقا للنجاة؟ هل هي الأزمة أم النهاية؟ وهل نستعد لحرب طويلة وقتال مرير من أجل البقاء أم نختصر الطريق ونقيم سرادق العزاء؟! أين العرب؟ تتلاطم هذه الاسئلة وأنت تشاهد الرسائل الحية على شاشات التلفزيون لما يجري في فلسطين المحتلة، ثم تسمع اللغة التي اصبحت هي السائدة بين الجميع.. من رجل الشارع الى قيادات المقاومة، وهي تصرخ في البداية: أين العرب؟ ثم وهي تؤكد بعد ذلك انها لم تعد تنتظر العون الا من الله عز وجل. أين العرب؟! هذا هو السؤال الاساسي، فالمنظر العربي كله يذكرك بمنظر الفريسة حين يطاردها الوحش المفترس ثم يقف امامها مستعدا للانقضاض، بينما يكون الخوف قد تملك الفريسة فلم تعد تستطيع حتى محاولة الافلات وتبدو كأنها قد استسلمت لمصيرها. بالقطع أحداث 11 سبتمبر وما تلاها ليست هي السبب، ولكنها كشفت المستور حين تعرض العالم كله للاختبار، وبدأت موازين القوى تفرض نفسها، فإذا بالعرب خارج كل حساب. في البداية قيل أن علينا أن نلتحق بما أسموه التحالف ضد الارهاب حتى نضمن المشاركة في المكاسب التي ستتحقق بعد ذلك، والتي سيكون نصيبنا منها كبيرا لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاجنا غطاء وسترا لما ستفعله في افغانستان حتى لا تبدو حربها حربا ضد الاسلام بدلا من أن تكون ضد الارهاب. ومن البداية كان الكل حريصا على عدم الاصطدام بالرأي العام العربي والاسلامي. وعندما اخطأ الرئيس الأمريكي بوش وتحدث عن حملة صليبية في افغانستان، تم تجنيد الآلة الاعلامية الأمريكية بكاملها لكي تؤكد أنه لم يقصد المعنى الكريه للكلمة، وأنها مجرد (زلة لسان) تعود الرئيس الأمريكي على التفوه بمثلها كل حين! وعندما قيل ان الحرب في رمضان مكروهة عند المسلمين وطولبت واشنطن بمراعاة المشاعر الاسلامية، حشدت أمريكا كل امكانياتها لتبرير استمرارها في الحرب وتحول البيت الأبيض والبنتاجون الى دور افتاء تبحث في التاريخ الاسلامي عن الأسانيد وتستمد من السلف الصالح ما يؤيد وجهة نظرها. وعندما ارتعشت الحكومات العربية والاسلامية وأبدت الخشية من انفلات الأمر في الشارع العربي، كانت الطمأنينة تأتي بإسقاط ديون أو تقديم معونات أو الوعد بها، مع حملات اعلامية تطالب الرأي العام بأن يضع في عينه حصوة ملح، وأن يدرك قيمة المعونات والهبات مع أحوال اقتصادية متدهورة.. ولا يهم هنا أن التدهور جاء بتطبيق لنصائح أمريكا والمؤسسات الدولية الخاضعة لها بفتح الأسواق ونهب المؤسسات العامة تحت دعوى الخصخصة التي بدت العلاج السحري الذي تصنعه أمريكا ومؤسساتها لعلاج كل الأمراض الاقتصادية! وعندما قيل ان كل ذلك لا يكفي - وان لدى العرب قضية مركزية لا يمكن تغافلها، وأن تحقيق التسوية الموعودة للصراع العربي - الاسرائيلي اصبحت واجبة - وان ايقاف حمام الدم في فلسطين اصبح مهمة عاجلة قبل أن يجر شارون المنطقة كلها الى انفجار شامل. تحركت واشنطن وأعلنت عن رؤية أمريكية جديدة بتسوية تتضمن دولة فلسطينية. وهللت الأنظمة العربية وكبرت، ثم تساءلت: كيف؟ ومتى؟ وماهي تفاصيل الرؤية وحدود الدولة؟ لكن الاجابة تعثرت قصدا الى أن تبدلت الأحوال مع التقدم الذي حققته الولايات المتحدة في حربها ضد العدو الوهمي الذي اخترعته في افغانستان، ومع المجازر التي ارتكبتها ضد المدنيين هناك، ومع قتل الاسرى وابادة القرى.. في ظل صمت عربي واسلامي امتد من الحكومات الى الشارع. حالة ذهول وفي ظل حالة الذهول التي سيطرت على الجميع، مدت واشنطن سطوتها، وبدأت في وضع الاهداف المحتملة للمرحلة الثانية من حربها، ومعظمها من البلاد العربية. وبدأت تضع القوائم بمن تراهم ارهابيين، وتضع الدول العربية والاسلامية بين خيارين: اما أن تدخل المعركة الامريكية بشروط واشنطن، واما ان تكون أهدافا لضربة تحيلها الى افغانستان أخرى. ودخلت اليمن والصومال وغيرهما دائرة الاتهام، وأصبح (حزب الله) بؤرة ارهابية على لبنان أن يتعامل معه أو يصبح دولة داعمة للارهاب. أما دمشق فهي ـ رسميا ـ متهمة من أمريكا ومن قبل أحداث سبتمبر باحتضان منظمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي تعتبرها واشنطن ارهابية. ولم ينفع عرفات تبرعه بالدم لضحايا 11 سبتمبر، فأصبح مطالبا بالقضاء على (حماس) و(الجهاد) وأيضا (فتح) والى أن يفعل ذلك فدمه مباح وكذلك دماء كل الشعب الفلسطيني، ومن حق شارون بل ومن واجبه أن يرتكب مذابحه ضد الفلسطينيين (دفاعا عن النفس) كما ترى واشنطن التي لا ترى بأسا من أن تتم المذابح الاسرائيلية بطائرات أمريكا وصواريخها. كما لا ترى بأسا من أن تقوم بتحويل العراق الى افغانستان أخرى وتدميرها تدميرا كاملا مع أنها تعترف بأنه لا توجد أي علاقة بين العراق والارهاب التي تقول أمريكا انها تخوض الحرب ضده. تلك الحرب التي تحولت الى عنوان كبير يتم من خلاله تغيير العالم الى الصورة التي تريدها واشنطن.. أو هكذا تأمل أمريكا من حملتها التي تقول انها ستستمر سنوات والتي من أجلها يضيف بوش الى ميزانيته العسكرية هذا العام 48 مليار دولار كانت تكفي للقضاء على الجوع في العالم لو كنا في دنيا غير الدنيا وزمان غير هذا الزمان! خريطة جديدة للمنطقة ومن خلال هذا المفهوم تضع أمريكا خريطتها الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ، وترى انها الفرصة لما أرادته للعرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث أرادت وراثة الامبراطوريتين المنهارتين (بريطانيا وفرنسا) والسيطرة الكاملة على منطقة استراتيجية بالموقع والثروات والتأثير الحضاري. وتبدو الخريطة الجديدة بلا عراق أو بعراق يتم تقسيمه، وهو مصير ينتظر أكثر من دولة عربية ربما تظن انها بعيدة عن التأثر بالمخططات الجديدة. وتبدو الخريطة الجديدة باسرائيل شريكا بعد اغتنام الفرصة لتصفية القضية الفلسطينية في ظل حالة الغيبوبة التي يعيشها العرب. وتبدو الخريطة بأنظمة لا تملك من أمرها شيئا، وبشعوب عليها أن تنسى حكايات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تغنت بها واشنطن كثيرا وداستها بالأقدام في حملتها الجديدة. فأمريكا تتصرف الآن على أساس تجربتها في أفغانستان وتجربة اسرائيل في فلسطين والتي تم فيها اعتماد القوة لغة وحيدة لفرض الأمر الواقع، والتعامل مع شعوب المنطقة باعتبارها لا تستحق الا ماهي فيه من تخلف وقهر، فهي تحمل جرثومة الارهاب بالميراث، وتعيش عالة على حضارة تعلن عداءها لها! هذا هو الوضع المأساوي الذي نعيشه الآن، والذي يقوم على تصورات خاطئة من كل الاطراف. تخطئ اسرائيل حين تتصور أن هذه فرصتها لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الأمر الواقع الذي تريده اعتمادا على موازين قوى في مصالحها، وانتهازا لحالة العجز التي يعيشها العرب. فمهما كانت الأزمة العربية فنتيجة ماتفعله اسرائيل هو فقط تأكيد اليقين بأنها كائن لا مكان له في المنطقة كدولة صهيونية عنصرية تمارس النازية بأبشع صورها. وتخطئ الولايات المتحدة الأمريكية حين تتصور أن أحداث سبتمبر توفر لها الفرصة التي كانت تريدها لفرض خريطتها للمنطقة وتصوراتها على العالم. لقد وقف العالم كله ـ بمن فيهم العرب والمسلمون ـ مع أمريكا في محنتها، ولكنهم لن يقفوا معها وهي تبني امبراطوريتها على أشلاء دول وشعوب، وبدعاوي ـ مهما تخفت وراء محاربة الارهاب ـ فهي دعاوى عنصرية. واذا كان الفكر الأمريكي والغربي عموما قد بدأ يتساءل الى أين تسير أمريكا؟ وكيف تبنى زعامتها للعالم دون رسالة أخلاقية حقيقية؟ فإن السؤال في العالم العربي ينبغي أن يتحول الى سؤال مواجهة يقول: كيف نمنع أمريكا من الانتحار السياسي والاخلاقي حين تتعامل مع العرب على انهم أمة من الارهابيين، وتجعل من السفاحين في اسرائيل اصحاب رسالة، وتتصور أن مصالحها ستتأمن بقهر العرب. شعوبا وحكومات، واستغلال ماحدث لها لشن حرب صليبية حقيقية.. تسييء للصليب بأكثر ما تسييء للمسلمين والاسلام. لحظة طارئة في تاريخ الأمة أما الخطأ الأكبر فهو من جانبنا نحن العرب، حين نتصرف وكأن لحظة الضعف المأساوي الحاضرة هي قدر ومصير، وحين نخضع للابتزاز الذي يحاول انتزاع كل التنازلات ويفرض كل الشروط المهينة تحت دعوى أن الشارع العربي لم يعد يتحرك والنخبة استقالت من مهماتها، والحكومات لا تستطيع أن تقول: لا بينما الأساطيل الأمريكية حولها والتهديد الأمريكي يتصاعد والمصالح الامريكية تعلو فوق الجميع، والارهاب اتهام جاهز للاستعمال! انها لحظة طارئة في تاريخ الأمة وليست نهاية التاريخ كما يحاول البعض تصوير الأمر ليفرض ارادته في غياب الارادة العربية الكاملة. انها حالة غيبوبة تواجهها الأمم حين يضيع منها الطريق وتغيب القيادة وتواجه الانهزام وبعض الأمم تستسلم للهزيمة، وبعضها يعرف كيف ينتصر على انكساره. هذه لحظة عرفناها في 48 وانتقمنا منها بعد ذلك، وعرفناها في 67 وثأرنا منها بالعبور العظيم في أكتوبر. وربما يكون الوضع الآن أنكى وأشد لأن الهزيمة تأتي من الداخل قبل أن نواجهها من العدو، ولأن حالة الانكسار يجري الترويج لها على أنها المنظر الأخير في مسرحية دامت فصولها الدرامية طويلا، لكن ذلك لا يبرر أن تستمر حالة الذهول والعجز العربي أكثر من ذلك، ولا أن يسيطر الخوف من القادم فيمنع الحركة العربية، ولا يسمح للحكومات بأن تتنازل أو تستسلم، ولا للشعوب بأن تستمر صامتة وكأنها تتلقى العزاء قبل الأوان! انها لحظة ضعف وانكسار، ولكنها ليست النهاية وسوف تخطئ أمريكا كثيرا لو تصورت عكس ذلك وتصرفت مع العرب باعتبارهم أمة خارج التاريخ. وتخطئ اسرائيل اذا تصورت انها لن تدفع ثمن جرائمها كاملة وهي تؤكد كل يوم انها كائن لا مكان له في هذه المنطقة.. جاءت بالخطأ وستذهب كما جاءت! ويخطئ من يطالب الفلسطينيين بالاستسلام، ومن يطالب العرب بانتظار النهاية والسكوت على ماجرى ويجري في المنطقة خوفا من العقاب الأمريكي.. فالعقاب الوحيد هو أن يقهرنا الخوف نفسه قبل أن تستعيد الأمة ارادتها الغائبة وتخرج من حالة الذهول والاحباط التي تعيشها، وتبدأ الثأر لكل ماتراه الآن من هوان لا تستحقه.. وساعتها كم سيكون الحساب عسيرا. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية