«جواز إلى المساواة» هذا هو العنوان الذي اختارته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» للمشروع الذي ترعاه وتروج له وتعتبره أداة للعمل على دعم «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CE DAW» التي أقرتها الأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1979 حيث بلغ عدد الدول التي صدقت عليها أو انضمت إليها حتى شهر اكتوبر 1999 مئة وخمساً وستين دولة، وقد ازدادت فعالية هذه الاتفاقية بعدما أقرت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في ذلك العام البروتوكول الاختياري الملحق بها، وبذلك أصبح للنساء الحق برفع شكاوى تتعلق بانتهاك حكوماتهن للاتفاقية إلى لجنة الأمم المتحدة المسئولة عنها بعد ان منح البروتوكول اللجنة سلطة إجراء تحقيقات في المخالفات التي قد تحدث في البلدان المنتسبة إلى هذه الاتفاقية. يقول المدير العام لليونسكو في تصديره لهذا الجواز الذي تمتد صلاحيته مدى الحياة انه موجه بصفة خاصة إلى قادة الرأي العام المحلي على مستوى المجتمع: منظمات النساء والمعلمين والمحامين والأطباء الممارسين وأعضاء الهيئات الأهلية والحكومية ومنظمي الاتحادات والصحفيين والاذاعيين وغيرهم، والجميع مدعوون إلى العمل على تعريف الرجال والنساء معاً بالاتفاقية والاستناد إليها حين تتعرض حقوق النساء للتهديد والانتهاك! وسيجري توزيع الجواز بعشر لغات، هي: العربية والصينية والانجليزية والفرنسية والهندية والبرتغالية والروسية والاسبانية والسواحلية والأوردية. وهكذا يتضح ان مشروع جواز إلى المساواة قد افترض وسلّم دونما جدل بأن هناك تمييزاً يمارس ضد المرأة، ولذلك قرر ان يمنح الجواز بموجب حق كل انسان ـ بصرف النظر عن جنسه ـ في معرفة الحقوق الأساسية المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان وفي التمتع بها، ويتمثل الهدف من جواز السفر هذا في توعية الرجال والنساء في العالم أجمع بوجود «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة» التي ترسي قاعدة عالمية لمبدأ المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، وتتضمن تدابير ترمي إلى ضمان تحقيق المساواة بين النساء والرجال في الحقوق على امتداد العالم، وتستهدف ارساء التساوي في الحقوق للنساء أياً كان وضعهن الزوجي في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية. وتنصّ على اعتماد أحكام تشريعية على الصعيد الوطني تحرّم التمييز، واعتماد تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بتحقيق المساواة الفعلية بين الرجال والنساء بما في ذلك تغيير أنماط ونماذج السلوك الاجتماعي والثقافي التي تؤدي إلى استمرار التمييز. وينص مشروع البروتوكول الاختياري للاتفاقية على منح النساء ـ من جهة ـ حق تقديم شكاوى فردية إلى اللجنة ضد أي انتهاكات للاتفاقية من جانب حكوماتهن، ومنح اللجنة ـ من جهة أخرى ـ حق إجراء تحقيقات حول الأعمال التعسفية التي تكون النساء ضحاياها في البلدان الموقعة على البروتوكول، هكذا جاء في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في جواز إلى المساواة. هذ الظلم الفادح الذي تفترض الاتفاقية وقوعه على المرأة بعد ان عبرنا بوابة الألفية الثالثة لا تؤيده الحقائق التي نشاهدها في عالمنا اليوم، وليس له سند قوي من التاريخ كما نقل إلينا المؤرخون من عصور مختلفة من عمر الانسانية، ولو أردنا ان نحصي عدد النساء اللواتي حكمن الممالك والدول ومارسن نفوذاً طاغياً بشكل مباشر أو غير مباشر، بعضه ظاهر ومعظمه خفي على مدى التاريخ لضاق المجال عن حصر الأسماء منذ عهد أمنا حواء، وحتى عصر هيلاري مروراً ببلقيس وكليوباترا والزباء وشجرة الدر وسالومي وزبيدة وبندرنايكه وانديرا غاندي والشيخة حسينة وخالدة ضياء وبي نظير بوتو ومارجريت تاتشر حيث تطول القائمة لتشمل من اشتهرت أسماؤهن من النساء ومن بقين خلف الستار يمارسن نفوذاً كبيراً على صناع القرار من الرجال، فكانت لهن الكلمة العليا يحركن القادة العظام، ويوجهن دفة الأمور إلى حيث يردن، ويرسمن خريطة توزيع المراكز كما يشأن، ويملكن ناصية القرار فيهبن ويمنعن ويصلن ويقطعن وينهين ويأمرن. ورُب ناصح محب ينبري لنا فيقول: دعك ـ أصلحك الله ـ من حديث السياسة ونساء القصور تجنباً للوقوع في المحظور، واستعذ بالله من عاقبة الأمور، ثم يضيف: لماذا لا تكون فكرة الجواز هذه فصلاً من فصول المؤامرة التي يحيكها الرجال لتوريط النساء في مزيد من الأعباء، وتحميلهن مزيداً من المسئوليات خارج البيوت فوق ما يحملن داخلها؟ فيصبح من مهام المرأة مثلاً تغيير إطار السيارة إذا ما تعرض لـ «بنشر» والعائلة الكريمة في رحلة خلوية بينما ينعم الزوج المصون بالجلوس تحت ظل شجرة وارفة يتصفح الجريدة بحجة المساواة، أما الأخطر من هذا فهو الدفع بالنساء إلى وظائف ومهن كانت إلى وقت قريب حكراً على الرجال، كالانخراط في الجيوش للزج بهن في أتون المعارك، وتكليفهن بالمهام الصعبة كمطاردة المجرمين العتاة بعد أن يتم ضمهن إلى صفوف الشرطة، كل هذا والرجال الخبثاء ينعمون بدفء الأسرّة في ليالي الشتاء الباردة، وهواء المكيفات في نهارات الصيف اللاهبة. ولأن هذه الفكرة تقليدية بحتة عفا عليها الزمن، فإننا ننحيها جانباً بعد أن خرج علينا عالم الاجتماع الأمريكي روس ستولزنبيرج من جامعة شيكاغو مؤخراً بنظرية جديدة تنسف فكرة المؤامرة السابقة، وهي نظرية إذا ما صحت فستخلط كل الأوراق، ونصبح نحن الرجال المستهدفين بمثل هذه الدعوات المشبوهة، فقد توصل عالمنا إلى ان أزواج النساء اللائي يعملن أكثر من أربعين ساعة في الأسبوع أضعف صحة بشكل ملحوظ من بقية الرجال المتزوجين، والعكس غير صحيح، إذ أظهرت الأبحاث أن الساعات الطويلة التي يمضيها الأزواج في العمل ليس لها تأثير ضار أو سلبي على صحة زوجاتهم، سواء كن موظفات أو ربات بيوت. ومن بين الأسباب التي ذكرها لذلك ان الزوجات اللائي يعملن لساعات طويلة لا يملكن الوقت الكافي لأداء بعض الأمور كتذكير أزواجهن بضرورة تناول وجبات مغذية صحية أو أخذ الأدوية أو الاهتمام بصحة أزواجهن، ناهيك عن تنظيم الحياة الاجتماعية للبيت، كونها من العوامل المخففة للضغوط الحياتية. صديقنا المحب الناصح الأمين يتساءل في النهاية عن الأحوج إلى المساواة في عصرنا هذا، ويوجه تساؤله إلى أهل التربية والعلوم والثقافة وإلى هيئة الأمم وكل الهيئات والمنظمات وقادة الرأي وأصحاب الأفكار العظيمة هذه، ويطلب منهم ان يرحمونا ويرحموا نساءنا الطيبات الرقيقات الناعمات من مثل هذه الدعوات الملغومة، ويرجوهم ان يدعوا الفتنة نائمة حتى لا نضطر إلى الدعاء على من أيقظها فنقع تحت طائلة قوانين كوفي عنان التي ما أنزل الله بها من سلطان.