رأيتهم فعرفتهم بسيماهم، هم مني وأنا منهم، هم من بني جلدتي، لكن شيئاً ما غريباً يحدث لهم، فمظهرهم غير مألوف، ملابسهم .. ما هذا الذي يرتدونه؟ ملابس أقرب ما تكون إلى الرياضية. سألتهم، هل هو ماراثون تشاركون فيه؟ لم يلتفت أحد أو يرد، الأمر إذن أكبر من ان يكون مناسبة رياضية أو حدثاً ترفيهياً، فعلامات الجد ترتسم على الوجوه، اقتربت أكثر فوجدتهم حفاة ينتعلون الأرض، كان لابد ان أعرف حكايتهم. بحثت فوجدت أنهم مسافرون، جماعة من العرب يرغبون في السفر ليس براً ولا بحراً، بل جواً، وهنا المشكلة، فأن يكون المسافر عربياً فلابد من رفع حالة الطوارئ بالمطار إلى أقصى درجات الاستعداد، كاميرات خاصة لقراءة العيون وتسجيل بصمة الحدقة إلى جانب الاستعانة ببصمات الاصابع وكافة بيانات البيولوجيا الاحصائية لتحديد هوية الأشخاص، ناهيك عن رجال وكلاب الحراسة ومسئولي التفتيش. اجراءات لا أول لها ولا آخر ما دام المسافر عربياً، فكل مسافر عربي هو قنبلة قابلة للانفجار في أية لحظة، لذا يجب تجريده من كل شيء حتى الحذاء، فاخلع نعليك قبل دخول حرم الطائرة، وهذا كرم بالغ من مسئولي الأمن بالمطارات الغربية، فربما تدفعهم حالة الهوس التي تتلبسهم الآن إلى تعليقهم مثل هؤلاء المسافرين بأجنحة الطائرات إذا ما أصروا على السفر جواً، بينما تتدلى حقائبهم بحبال طويلة من مؤخرة الطائرة. هذه كانت ملامح حلم أو بالأحرى كابوس داهمني خلال احدى ليالي الأسبوع الماضي الباردة، كابوس بسمات كاريكاتيرية، لكن الذي دفعني إليه خبر جديد علق بذهني ضمن سلسلة لا تنتهي من الأخبار حول تشديد الاجراءات الأمنية وتعقيدها خاصة إذا كان المسافر من منطقتنا العربية، يحمل في جيناته جينة الارهاب كما يصوروننا الآن. الخبر كان يتعلق باستعانة احد المطارات الغربية بنحو 300 كلب بوليسي ـ أعزكم الله ـ للحراسة والتفتيش، كلاب بوليسية مدربة خصيصاً على اكتشاف العرب، سلسلة لا تنتهي من المضايقات يتعرض لها كل من هو عربي أينما يتوجه الآن في غرب العالم أو شرقه، فلا أحد يدافع عن العرب حتى غالبية الحكومات العربية نفسها تلتزم الصمت تجاه كل شيء بدءًا بما يحدث في فلسطين من مذابح يومية يشيب لها الوليد حتى ما يتعرض له ضحايا الارهاب في كل مكان. الصوت الوحيد الخافت مصدره أوروبا، التي وان كانت لا تختلف كثيراً عن الولايات المتحدة إلا انها تبقى أقل همجية ولا تزال محتفظة ببقايا حضارة انسانية في طريقها للاندثار. ما الحل إذن لكابوس السفر؟ البعض يدعو إلى النكوص والانغلاق والانعزال، ولا داع للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة، خاصة ان كان الغرض من السفر هو السياحة، ففي منطقتنا الكثير من مواطن الجمال، ودولنا أولى بما ينفق من أموال كثيرة على الترفيه بدول لا تكن لنا إلا الكره والبغض مهما حاولت إظهار عكس ذلك، ومهما ارتدت من عباءات زائفة للانسانية والديمقراطية.