هناك حاجة ملحة لاستراتيجية فلسطينية جديدة، فما يحدث الان من الواضح انه لا يفضي الى نتاج ومواصلة القيام بالشيء نفسه لن تؤدي الا الى مزيد من المعاناة والتوتر وتعميق جذور الكارثة. لقد تأخر بالفعل القيام بعملية اعادة تقويم للموقف ومن اجل ان يتم بذل هذا الجهد فانه من المهم تحديد بعض الثوابت التي ترسم ملامح ومعايير الموقف الحالي. اول هذه الثوابت من وجهة نظري، يتمثل في الحقيقة البسيطة القائلة بعدم رغبة حكومة شارون في اقرار السلام بشروط تمنح الفلسطينيين حقوقهم الاساسية واهدافها الراهنة لتلك الحكومة تبدو كالتالي: ـ ايقاع الهزيمة على الصعيد العسكري بالفلسطينيين. ـ تفكيك السلطة الفلسطينية. وانهاء شرعية قيادتها. ـ انهاء عملية اوسلو وفرض سلام بشروط اسرائيلية. ومن الواضح ثانيا في ضوء واقع السياسة الامريكية، ان الادارة الامريكية لن تتدخل لكبح جماح السلوك العدواني لاسرائيل وهذه الادارة لا تروقها التحركات الاسرائيلية وتود ان ترى مفاوضات تسوية تنهي الصراع بالشروط التي حددها الوزير كولن باول في خطابه بمدينة لويزفيل ولكنها لن تتحرك بشكل علني او حاسم للضغط على اسرائيل. ولذا فانه على الرغم من تلك الآمال الخيالية او الاصرار من جانب بعض العرب، فلن تكون هناك عملية انقاذ بقيادة الولايات المتحدة، على غرار ما حدث في كوسوفو او تحرير الكويت، ولن تكون هناك ايضا قوة حفظ سلام او قوة حماية تفرضها او تدعمها امريكا ليتم ارسالها الى الاراضي المحتلة. وفي الحقيقة فلن يكون هناك حتى قرار صادر عن الامم المتحدة يحظى بالدعم الامريكي ويدعو الى حدوث اي من الامور سالفة الذكر. وفي ضوء عدم وجود اي امكانية لحدوث اي جهود انقاذية من الخارج فانه من المهم النظر الى امكانيات اخرى. ثالثا، ان الفلسطينيين لا يخسرون ميدانيا فقط وانما هم ايضا يخسرون المعركة الاعلامية في الولايات المتحدة فليس هناك جهد اعلامي فلسطيني منظم في امريكا. وهكذا فان اسرائيل ومؤيديها الذين يقدمون التمويل بشكل كاف، لديهم حرية الحركة في الساحة الامريكية وهم يستغلون تلك الحرية لصالحهم فهؤلاء قد نجحوا في تحديد شروط المناقشة الحالية حول السلام، ومن تصوير السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات بصورة سلبية وفي تصوير انفسهم كضحايا وتصوير الفلسطينيين كمعتدين. رابعا: لن تكون هناك جهود انقاذية من اوروبا فالاتحاد الاوروبي واعضاء المجتمع الدولي الآخرون، الروس، والصينيون، ودول عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الاسلامي .. الخ، سوف يبدون قلقهم ويدينون التحركات الاسرائيلية ويمررون قرارا بين الحين والآخر، ولكنهم لن يتحركوا فهؤلاء ليس لهم ثقل حقيقي، او بعبارة ادق ليست لهم مصلحة في استخدام اي نفوذ كان لديهم، لانهم لايريدون ان يتسببوا في حدوث مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. خامسا: حتى الدول العربية، على الرغم من كونها شديدة التأزم مما يحدث وتستشيط غضبا من جراء الموقف الراهن فانها لن تكون قادرة على ان تلعب دور القوة الخارجية التي يمكنها انقاذ الموقف. واخيرا، وعودة الى السياق الاسرائيلي، فانه من المهم ادراك ان انهيار عملية السلام وعودة العنف قد ادى الى زيادة تشدد الرأي العام في اسرائيل. ونتيجة لذلك، قويت يد شارون وضعف حزب العمل الى درجة الانهيار. واود هنا ان اناقش ايا من هذه الملاحظات الست او اناقشها جمعيها ليس لمعرفة انها هنا وحدها التي تحدد ملامح الموقف الحالي من عدمه فمن الواضح انها ليست وحدها هي التي تحدد ملامح الموقف الحالي، ولكن لمعرفة ما اذا كان الصواب يواكبها في توصيف مجموعة الظروف التي نواجهها، وهو ما اعتقد انه حادث بالفعل. لو ان تلك الملاحظات صائبة لترتب على ذلك مايلي: ـ اللجوء الى الامم المتحدة للحصول على مشروع قرار آخر لن يؤدي الى حدوث تغيير. ـ توجيه نداءات اخرى من اجل التضامن الدولي لن يؤدي الى تغيير حقيقي. ـ القيام بمزيد من اعمال العنف ضد الاسرائيليين سواء اكانوا جنودا ام مستوطنين ام مدنيين ابرياء لن يؤدي الى حدوث تغيير. يمكنني سماع البعض يجأر بالشكوى ويؤكد حق اللجوء الى «الكفاح المسلح ضد الاحتلال» وهذا ذكرني بقصة محددة ففي 1979، عندما كنت ادير حملة لحقوق الانسان الفلسطيني في العاصمة الامريكية «واشنطن» شرفني القيام باستضافة توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، وفي احد اللقاءات التي قمنا بتنظيمها له، تلقيت سؤالا عدائيا من احد الشبان الذي تحدى بشدة انتقاد زياد لحروب العصابات التي كانت تقودها منظمة التحرير الفلسطينية انطلاقا من لبنان، وانهى السائل ملاحظته بتذكير المسئول بالحق «غير القابل للتخلي عنه» لاي شعب محتل في اللجوء للكفاح المسلح من اجل مقاومة الاحتلال. واجاب زياد بقوله: «صحيح ان لك الحق في الكفاح المسلح. ولكن عندما تسيء استخدام هذا الحق كما اسأت بالفعل استخدامه، فإنك تكون قد ضيعت ذلك الحق، وعليك ان تجد طريقة افضل للحرية». اعتقد ان هذا الوضع هو ما نحن عليه اليوم فالعمليات الانتحارية في اسرائيل وهذا الجهد المحير المبذول من اجل تحويل الضفة الغربية الى جنوب لبنان آخر عن طريق ايجاد انظمة سلاح جديدة لامر مدمر، وربما اضيف انه ايضاً انه يتسم بالحماقة. فتلك الهجمات نتج عنها مزيد من المعاناة واضرت كثيراً بالقضية الفلسطينية. فالعنف بكل اشكاله، في هذه النقطة لا يفرز إلا مزيداً من العنف، فكما اكد احد الزعماء الفلسطينيين، منذ فترة قصيرة بقوله: «عندما نستعمل الحجارة فإنهم يستعملون البنادق وعندما نستعمل البنادق فهم يستعملون الدبابات»، وهكذا تسير الامور، واذا كانت تلك هي الحالة، وبالفعل هي كذلك، فما هو اذن التأثير الجيد الذي يمكن ان تتركه الصواريخ؟ ومع هيمنة اسرائيل وتحكمها في مجال الاعلام اضحت للاسرائيليين القدرة على تغيير وتحويل حقيقة كل حدث لصالح اهدافهم السياسية، فرماة الحجار اصبحوا مجرمين او الشباب الذي يتم قتله اصبح «قنابل موقوتة» وهو ما يهدد اي ادلة تقدم او يتم اللجوء اليها لعرض قضيتهم. هكذا فإن عملية البحث عن وسيلة جديدة اصبحت امراً بالغة الاهمية فباديء ذي بدء، يجب ان تنتهي موجة العنف على الرغم من كل شأن وهذا امر يصعب القيام به. فالغضب وصل الى درجة كبيرة من العمق، واحتدمت المشاعر بشكل كبير للغاية، وعلاوة على ذلك، يستمر السلوك العدواني الوحشي الاسرائيلي، ويواصل تعميق حالة الحنق هذه ويعمق مشاعر الآسى والحزن، ولكن على الرغم من ذلك يجب ان ينتهي العنف حتى ولو كلف الامر السلطة الفلسطينية الكثير والكثير. يجب ان ينتهي العنف لان هذا العنف لا يؤدي إلا الى تأثير عكسي بشكل كامل، فما الجدوى من وراء هذا العنف؟ ما هي النتائج سوى القتل بالنسبة للاسرائيليين ومن المقابل سقوط قتلى باعداد اكبر بين الفلسطينيين في عمليات ثأر اسرائيلية ليس ذلك فحسب، بل ان هذا العنف ادى الى تقويض جهود السلطة الفلسطينية في التفاوض والوصول الى شروط افضل على الارض. والعنف تسبب ايضا في نتائج كارثية على المستوى السياسي.. فعمليات التفجير والقتل اضرت بالقضية الفلسطينية، وسمحت لامثال شارون ونتانياهو بتحويل صورتهما في الغرب من قتلة متوحشين، كما هي الصورة الحقيقية لهما بالفعل، الى مدافعين عن شعب محاصر. فإذا تم انهاء العنف، فإن الشجب الفلسطيني سوف يستطيع ان يبدأ حملة كبيرة تهدف الى تغيير الديناميكية السياسية لصالحه، ان اكثر ساحتين في حاجة لهذا التغيير ويحتمل ان تكونا الاكثر استجابة له هما الساحتان الامريكية والاسرائيلية بآراء شعبيهما. هناك حاليا في الاراضي المحتلة تعكف مجموعة صغيرة وشجاعة من الشباب على القيام بعمليات مقاومة مدنية ضد قوات الاحتلال يجب دعم جهود هؤلاء وزيادة عددهم. يمكن القيام بمظاهرات سلمية واسعة النطاق واعتصامات تعوق حركة المرور في القدس، وطرق الضفة الغربية والنقاط الحدودية ونقاط التفتيش فقط اذا سبقت تلك التحركات فترة من السلام، وكان المظاهرات سلمية بشكل كامل في هذه الحالة فقط يمكن لتلك الخطوات ان تحدث التأثير المرغوب. فكما دعا واكد مارتن لوثر كينج وأمثاله ممن ساروا على دربه فإن اصل تلك المعالجة للامور هي انها مثل «المصارعة اليابانية» فعندما تواجه خصما اكثر قوة، لا تلعب في مجالات قوته، ولكن حاول ان تحول مناطق قوته الى مناطق ضعف. ان مسيرة سلمية تتكون من عشرات الألوف من الفلسطينيين يتجمعون حول مدينة القدس من جميع مناطق الضفة الغربية، يحملون لافتات تحمل عبارة «دعوا شعبها يصلي!» أو «دعوا شعبنا يعود لوطنه!» سوف تكبل ايدي الجنود الاسرائيليين اذا استعملوا القوة والعنف فإنهم سيخسرون، واذا سمحوا لهذه المسيرة بالمرور فإن الفلسطينيين سوف يجدون قوة جديدة وسيفوزون. ان احدى النقاط الرئيسية هنا هي العمل على تقوية الشعب الفلسطيني وتمكينه من ان يستعيد وضع كونه ضحية وحرمان الاسرائيليين من اللقب والغطاء الذي يحتمون به، وهو الدفاع عن النفس. هناك المئات من مثل تلك التكتيكات البسيطة والتي يمكن تطويرها لتكون حملة شاملة، ويجب ان تتم مناقشة تلك التكتيكات البسيطة، والتي يمكن تطويرها لتكون حملة شاملة ويجب ان تتم مناقشة تلك التكتيكات. كل هذا يجب ان تكمله مبادرة سلمية سياسية، تقوم بها القيادة الفلسطينية ويتم طرحها على شعب اسرائيل ويجب ان تحتوي تلك المبادرة على شروط سلام شامل، يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الشرعية للجانبين ويجب ان تكون واقعية، فعلى سبيل المثال، بينما كان عرض باراك غير مقبول بالمرة، يبدو ان عرض كلينتون لاسيما بعد ان ضيق الطرفان نطاق الخلاف بينها من طابا في يناير 2001، كان اكثر قبولاً، ان وضع عرض كلينتون مرة اخرى على طاولة المفاوضات تصاحبه فترة من السلام وحملة من المسيرات السلمية الخالية من العنف، يمكن ان يحدث تحولاً على الساحة الاسرائيلية والامريكية، وسيسبب بالتأكيد لشارون قدراً كبيراً من عدم الراحة والتوتر، فشارون يريد ان تستمر موجة العنف، فحملة سلمية حقيقية سوف تضعف قبضته. ليست هذه النقاط إلا بعض الافكار النابعة من حالة اليأس التي تعتريني من جراء الموقف الحالي. انني ادرك ان حالة الغضب في فلسطين اليوم محتدمة للغاية، والألم بلغ مستوى كبيراً من العمق يصعب معه ايجاد طريق جديد، ولكننا علينا ان نناقش امكانية معالجة جديدة للأمر، فالثأر شيء مدمر ويعطي نتائج عكسية والطريق الحالي مسدود ولا يفضي لشيء. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي