الفضيحة التي هزت الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون في أواخر أيام حكمه كانت تتعلق بالجنس، واليوم يواجه خلفه جورج بوش فضيحة من نوع آخر تتعلق بالمال. أما القاسم المشترك بين الفضيحة السابقة والفضيحة الأخرى التي تتجمع الآن عناصرها على الأفق فهو الاستهتار الأخلاقي والفساد بكل أصنافه. وبينما كان محور فضيحة كلينتون امرأة فإن محور الفضيحة الجديدة شركة. في عام 1990 ظهرت شركة «إنرون للطاقة» الى حيز الوجود، ولكن خلال زمن قياسي مثير للدهشة ـ وكان لا يجب ان يكون ايضاً مثيراً للريبة ـ انطلقت كصاروخ لتبلغ مرتبة «العملقة» جنباً الى جنب مع الشركات العريقة التي يحسب عمرها بعشرات السنين. والآن وبعد نحو 11 عاماً من انطلاقتها هوت «إنرون» الى الحضيض بعد أن أشهرت افلاسها.. فماذا جرى؟ إنها قصة توظيف السلطة العليا في الدولة من أجل خدمة رأس المال. وعلى هذا النحو فهي قصة فساد الحكم في الولايات المتحدة. من اللحظة الأولى دخل أصحاب «إنرون» لعبة المال والسياسة، فقد وجهوا استثماراتهم في مرحلة التأسيس لا الى أسواق النفط والغاز والتوليد الكهربائي كما يتطلب تخصصها التجاري، بل توجهوا صوب الاستثمار الانتخابي على كل المستويات. بحساب الأولويات استقصد أصحاب «إنرون» أولا الكونجرس بمجلسيه، وتفيدنا الصحافة الأمريكية بأن الشركة أنفقت عشرات الملايين من الدولارات في الحملات الانتخابية لمجلس النواب ومجلس الشيوخ. والحصيلة التي ربحتها إنرون هي انه من بين أعضاء مجلس الشيوخ المئة، هناك 71 عضواً يدينون بالولاء للشركة بعد ان موّلت حملاتهم. والأخطر من ذلك سيطرة الشركة على «لجنة الطاقة» البرلمانية التابعة لمجلس النواب، فمن بين 23 رجلاً هم كامل عضوية هذه اللجنة، هناك 19 مولت الشركة حملاتهم، ويتلقى كل منهم مكافآت نقدية منتظمة. الأخطر لماذا؟! لأن هذه اللجنة هي التي من المفترض أن تحقق مع أصحاب انرون في المخالفات الجسيمة وممارسات فساد مديريها التي أدت الى افلاسها. غير ان الأدهى والأمرّ علاقة جورج بوش وآل بوش ومساعدي الرئيس بالشراكة، فبالاضافة الى ان أعضاء من أسرة آل بوش من كبار المساهمين في الشركة فإن «إنرون» كانت أكبر ممول لحملة جورج في الانتخابات الرئاسية التي أوصلته الى البيت الأبيض. وبعد ذلك تأتي قائمة تحمل أسماء بعض من كبار مساعدي الرئيس بينهم نائبه ديك تشيني يحتلون مناصب استشارية في الشركة. ولكن لماذا أفلست إنرون؟ ليس واضحاً تماماً حتى الآن، لكن يبدو ان أصحاب الشركة أسرفوا في عمليات التمويل السياسية، وقد اتضح ان الأموال التي صرفت في تمويل الحملات الانتخابية بأنواعها كانت قروضاً مصرفية لم تستطع الشركة الوفاء بها فغرقت في ديون متعاظمة. والسؤال المحوري الذي يدور عليه مدار التحقيق حالياً هو ما إذا كان الرئيس جورج بوش قد استغل مركزه الرئاسي لحث بعض البنوك الكبرى لمنح «إنرون» قروضاً جديدة لا تتلاءم مع وضعها المالي المتردي. فهل تعصف الفضيحة بالرئيس جورج بوش إذا انتهت نتائج التحقيق الى إدانته باستغلال المنصب الحكومي من أجل منفعة ذاتية له ولمساعديه وآل بوش؟ هذا أمر مشكوك فيه، فالمحققون من أعضاء الكونجرس مدينون بالفضل إلى إنرون في وصولهم إلى البرلمان. وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة مختلفة شكلاً، فرغم ان فضيحة مونيكا لوينسكي أحاطت بالرئيس كلينتون احاطة السوار بالمعصم، إلا انه أفلت من المحاكمة. فقد خشي أعضاء الكونجرس من ان محاكمة الرئيس سوف تؤدي لفتح دفتر الفضائح الجنسية التي لن ينجو منها أحد. وقس على ذلك الفضائح المالية.