في زمن يخشى فيه القلم الاقتراب من ورقة وفتح حوار معها خوفا من قضايا الخلع.. وفي زمن يتردد فيه الرضيع وهو يتحسس ثدي أمه حتى لا يتورط في قضية غش تجاري.. في زمن يخاف فيه الليل أن يمشي وحده في الشارع حتى لا يخطف في الظلام.. في زمن تأكل فيه المطابع نفسها بحثا عن قيمة لا تجدها.. في زمن سافر فيه الصدق والخير والتواضع دون أن يترك عنوانه.. في زمن يرتكب فيه مثقفوه جريمة النميمة وتتأثر عواطفهم بمصالحهم.. نجد محارة صغيرة بريئة تفتح الصدفة الخشنة التي تحميها.. وتخرج لؤلؤة طيبة.. تحمل معها تجربة مغرية.. فيها كراسة.. ولحية.. وقنبلة.. وإمارة في زمن الكهف تتصور أنها لا تزال قادرة على فرض سلطانها في زمن الكم والكيف. ولا أتصور شخصا واحدا يفك الخط ويفرق بين حروف الكتابة يمكن أن يقاوم قراءة هذه التجربة رغم أنها في كتيب صغير لا يحمل غلافه صورة مثيرة.. أو ألوانا مبهرة.. ملفتة.. بل أن مؤلفه غير معروف.. خالد البري.. لكن.. عنوان الكتيب هو مربط الفرس.. ومركز الضوء.. وخاطف الانتباه.. الدنيا أجمل من الجنة سيرة أصولي مصري.. والجنة هنا هي الجنة التي رسمتها وصاغتها ووضعت شروطها واختارت أنصارها الجماعات المتطرفة.. إنها الجنة التي تبدأ بالجنازير وتنتهي في غياهب السجون وتجعل الزهد قشرة خارجية يفور تحتها كل ما في البشر من رغبات مكبوتة.. القشرة دينية.. وما تحتها ينتمي الى الجاهلية. ولد خالد البري في أسيوط.. مدينة الأعصاب المشدودة والرأس الناشفة والحكمة الجامدة.. مثل أبناء الطبقة الوسطى المستورة كان التعليم مفتاح الحياة.. وقد وجد نفسه تلميذا في مدرسة رهبان الفرنيسسكان المسيحية.. حيث تعلم إن كل شيء في الدنيا يمكن التجاوز عنه إلا الكذب.. أما الأب فكان على ما يبدو ناصريا لا يميل الى تلك الجماعات التي ترفع كتاب الله في يد والقنبلة في اليد الأخرى.. وكان يؤمن بأن عبدالناصر هو الذي فهمهم وحطهم في السجن ولو كان سابهم كانوا قتلوه كما قتلوا السادات. الانفصال عن المجتمع كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تغري خالد البري بأن يصبح واحدا منهم.. لكن.. الظروف النفسية دفعته الى ذلك.. بل جعلته أميرا نشطا على طلاب الثانوي.. كان يحمل لقب أمير ثانوي.. وهو ما يعني أن الفراغ السياسي والثقافي الذي وجد نفسه فيه كان السبب فيما وصل اليه هو وغيره من الصغار والمراهقين الذين يريدون سلطة فكرية قوية قادرة وقاهرة يتبعونها.. إنه لم يطلب الرصاص.. ولم يشترك في عملية ارهابية واحدة.. ولم ينضم الى كتائب الأفغان العرب.. ولم يقترب من اسامة بن لادن أو أيمن الظواهري أو عمر عبدالرحمن.. لكن الفرصة كانت متاحة ومفتوحة أمامه ليصل الى ابعد من ذلك.. فالأخطر من الرصاص الأفكار المنسوجة من الغبار.. والأخطر من الجنازير الفتاوى والتفاسير.. إنها البنية العقلية الأساسية التي تتكون بعيدا عن سطح الحياة.. لتنخر في القلوب والضمائر.. محرضة على الانفصال عن المجتمع.. داعية للإجهاز عليه.. على طريقة طالبان في أفغانستان. إن ضعفه البدني كان يحرمه من ممارسة هوايته المفضلة.. كرة القدم.. وكان يوقفه عاجزا أمام الدخول في مشاجرات تفرض عليه ويستدرج اليها.. وهو ما وضعه في موقف بدا محرجا.. ولا نقول مخزيا.. خاصة بين أقرانه المراهقين.. ويقول خالد البري كان هناك فتى يكبرنا سنا ويفوقنا خبرة في تجاربه الجنسية وفي رفقته عصابة يشاركها الخمر والحشيش.. كان كثيرا ما يلجأ الى تأديب خصومه وارهابنا كلما رغب ودون سبب.. كم كان يشعرني أن كل شيء يتضاءل حيال أن أكون قويا.. وجاء الفرج من أحد الاخوة.. لقد راح يتحدث عن بطولاتهم والعزة التي أكسبهم إياه التزامهم بدينهم.. ثم وعده بأن يهديه جنزيرا لاستخدامه في الضرب أثناء العراك.. وبات الصبي الصغير يحلم طوال الليل بالجنزير.. تلك الآلة السحرية التي ستريحه من ضغط قوة الآخرين على كرامته بلا ذنب سوى أنه ضعيف البنية.. وكانت هذه هي بداية الطريق نحو التطرف والعنف والتسلط والغرور والرغبة في قلب نظام الحكم. ورغم أن الجنزير لم يصل اليه فإن علاقته بالجماعة بدأت بلعب الكرة صباح كل يوم جمعة.. وبعد الكرة تكون الصلاة.. وبعد الصلاة يكون التجنيد.. والتجنيد لا يكون سهلا.. فهم يدعون الفتى الى دروس الفقه والسنة والسيرة.. ثم بعد أن يطمئنوا اليه يحرضونه على كراهية الغناء والسينما والتليفزيون وينهونه عن قراءة كل كتاب لا علاقة له بالدين.. ثم يدعونه الى اعداد بحث في أمور الفقه.. ليشعروه بعد الانتهاء منه أنه أصبح عالما.. عليه مسئوليات جسيمة.. وهو ما يشعره بالتميز بين أقرانه ويدفعه الى التعالي عليهم.. أن تلك الخطوات هي التي قطعها خالد البري بسهولة فكان أن قام بمحو كل شرائط الغناء كلها وحرم على نفسه مشاهدة التليفزيون.. استعدادا للمرحلة التالية. فوق الجميع كانت المرحلة التالية هي مرحلة مواجهة ما يعتقدون أنه منكر.. كان عليهم استخدام العنف في تأديب من يتصورنه خارجا عن الدين والأخلاق.. ولم يكن بعضهم قد بلغ سن الرجال.. أو ظهرت عليه أعراض الخشونة.. كانوا ينقضون على الناس بالجنازير والأسلحة البيضاء وهم يهتفون الله أكبر.. ولم يكن أحد يوصل الأمر الى الشرطة.. فتحول أولئك الصغار الى شياطين حمراء.. وذات يوم كان خالد البري يقف في الشرفة حين وجد أطفالا من الجنسين يلعبون الكرة فشعر أن واجبه كمسلم ملتزم أن يواجه هذا المنكر ويغيره.. فأحضر بندقية الصيد وصوبها الى الكرة ليصيبها بطلقة جعلت الجميع يتسمرون في أماكنهم مشدوهين دون أن يجرؤ أحدهم على التقدم لأخذ الكرة.. ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى أصبح ممثلا للجماعة في شارعهم. وذات يوم كان خارجا من صلاة المغرب في مسجد الجمعية الشرعية حين جاءه أخ مسلم لا يعرفه واستأذنه أن يبقى الى جانب كتبه التي كان يبيعها على سور المسجد كي يتمكن من الصلاة.. فجلس خالد البري بجانب صندوق الكتب وراح يقلب في واحد منها عنوانه حتمية المواجهة.. يتحدث عن المواجهة العسكرية مع النظام المصري.. وفي تلك اللحظة عرف أن المسألة تجاوزت الدعوة والهداية وتحريم الغناء والفصل بين الجنسين.. فكيف أنتقل تلميذ نحيف من الطفولة البريئة الى التفكير في القتال وحمل السلاح وتغيير النظام؟ كان يشعر أنه خليفة الله على الأرض.. وعلى حد قوله كان يتصرف كأنما الله له وحده دون غيره.. وعندما وصفوه بأنه سيد قطب الصغير أحس بالتميز والاختلاف عن كل من حوله.. وعندما راح البسطاء يمتدحونه ويرون فيه «راجل عارف ربنا» بسبب مظهره الديني بدأ يفكر في مزيد من الشهرة.. فكان يعرف الأسئلة المتداولة ويفتش عن اجاباتها في الكتب الفقهية ويحفظها عن ظهر قلب ويسارع بسكبها دفعة واحدة بمناسبة وبدون مناسبة.. وكان أن أصبح حجة في كل شيء.. من كيفية قتال المشركين الى كيفية الغسل من الجنابة.. ومن حكم إفشاء أسرار الجماعة الى غير ذلك من أحكام.. وهو ما جعله يحظى بلقب أمير ثانوي.. وهو أيضا ما جعله يؤمن بأنه أصبح فوق الجميع.. الصغير والكبير.. وفي ذلك الوقت كان عمره أقل من السادسة عشر.. أي في سن الجينز والبيتزا والكنتاكي ومايكل جاكسون.. ولكنهم صنعوا منه شيئا حتى لو كان هذا الشيء مدمرا. وهو يعترف قائلا: لقد بدأت أتقمص شخصية الزعماء في سلوكي وكلامي ومزاجي.. وتعلمت أن أجعل الآخرين يقتربون مني ولكن بحدود.. فهناك حواجز لا ينبغي تجاوزها حتى لا أفقد احترام الآخرين: ويستطرد: إنه في وقت الشدة عندما يعود الى عمره ومشاعره الطبيعية كان يبكي كالطفل الصغير.. لكن ذلك لم يمنعه من تخيل نفسه أقرب ما يكون الى الله وأن جناح ملاك سيهبط من السماء ليحتضنه وينقض على ما يسبب له الشقاء ويدمره انتقاما له.. «وفي تلك السنة كدت أرسب في صفي لكنني تفوقت في صفوف الجماعة». مرحلة تحوّل لكن.. لم يمر وقت طويل حتى كان عليه أن يبتعد قليلا عن الجماعة كي يحقق حلمه ويدخل كلية الطب ويضع السماعة الطبية على كتفه.. ويوم بعد يوم بدأ أخوة ثانوي يقولون: إن الدنيا أخذته ونسى واجبات دينه.. وكان أن قرروا عزله.. على أنه عندما دخل كلية الطب أهدوه كتاب في «ظلال القرآن».. أشهر ما كتب سيد قطب.. وكان قد قرأ له كتابه معالم في الطريق.. أخطر ما كتب.. فهو دستور الجماعات الدينية المتطرفة والمعتدلة.. التي تستخدم العنف في مواجهة المنكر.. والتي تقوم بالدعوة بطريقة تأليف القلوب. في كلية الطب كانت مناهج الجماعة أكثر تحديدا وتأثيرا.. حكم الاسلام في الاختلاط بين الجنسين.. دراسة تاريخ الحركات الاسلامية خاصة جماعة الاخوان المسلمين والاختلافات الفكرية بينها وبين الجماعات الأخرى.. ودراسة كتاب محاكمة النظام السياسي المصري.. وكتاب الاتجاهات الفكرية في القرن العشرين.. وفي تلك الفترة تضاعف ايمانه بأن عليه فرض النموذج الاسلامي في العالم كله.. أو على حد تعبير الجماعة إدخال الناس الجنة مقيدين بالسلاسل. وأول ما فاجأه في الجامعة هو تلك الهوة السحيقة التي باعدت بينه وبين أصدقائه القدامى وبعضهم كان زميلا له في الدراسة منذ 12 سنة.. كانت الاختلافات بينه وبينهم تتجلى في طريقة الكلام والزي والاهتمامات.. يقابلهم في الشارع مرتديا جلبابا قصيرا وتحته بنطالا وهم يرتدون بناطيل جينز ضيقة.. يشكرهم قائلا: جزاك الله كل خير وهم يشكرونه قائلين: شكرا أو مرسي... وهذه الاختلافات البسيطة واليومية باعدت بينه وبينهم تدريجيا دون حاجة الى أن يقرر البعد أو القرب. وبصرف النظر عن البعد والقرب.. أو الحب والكراهية فالناس عامة في المجتمعات التقليدية حتى الطلاب الجامعيون منهم يكبرون العالمين بالدين والحائزين الدرجات العلمية العليا.. وعلى حد قوله: في ثقافتنا ليس التفكير ملكة الإنسان العظمى وليست القدرة على النقد هي المهارة التي يحتاج اليها.. وفي ثقافتنا ليس الضعف الانساني شيئا طبيعيا.. إن الصرامة البشرية قد تسبب لصاحبها التباعد لكنها ستكون سببا لشعور الناس بالرهبة تجاهه.. وقد حرصت الجماعة التي ينتمي اليها خالد البري على أن يرهبها الناس ويخشون بطشها بغض النظر عما يعتري نفوس أعضائها من اضطراب ومتاعب ورغبات مكبوتة. ويروي: أن زميلا له في الكلية عاش في المجر ليبدأ دراسة الطب هناك لأن درجاته لم تكن تؤهله لدخول الطب في جامعة مصرية.. ولما عاد وجد أمه وهي أستاذة جامعية متزوجة حديثا بعد وفاة والده.. وكلما اشتكى لها من معاملة زوجها له تذكره بأنه أنفق عليه 70 ألف جنيه في السنة التي قضاها في المجر.. أما لي فكان يشكو من كثرة معصية الله ويسألني كيف تستقيم أحواله لعل الله يريح نفسه ويستشهد على ايمانه بالله بأنه كلما استمع الى القرآن أحس برعشة تسري في جسده.. واحترت كيف أساعده.. فذهبت الى قيادي في الجماعة وحكيت له قصته فاستعاذ بالله من هؤلاء الناس قائلا: لو أن لديه سبعين ألف جنيه لقلب نظام الحكم.. ثم حذرني من هذه الفئة من الناس ناصحا إياي أن ابتعد عنهم.. ولا أنكر أن كلام العائد من المجر لمس وترا في مشاعري.. فقد مال قلبي الى بعض التفاصيل التي كنت أسمعها منه عن علاقاته بالفتيات في أسيوط. ولا جدال أن مبلغ السبعين ألف جنيه كان ثروة تقترب من الخرافة والمعجزة بالنسبة لكل أعضاء الجماعات الأصولية مجتمعين.. فقد كان معظمهم يعيش تحت خط الفقر.. الكل يعاني والكل يشكو والكل يكشف أحزانه.. فهذا صديق له ستة أخوة وأخوات وهو المعيل الوحيد لهم وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة ويدرس في معهد أزهري ويدعو الله ليل نهار أن يفتح عليه من عنده.. وهذا يدرس في الجامعة ويعيش هو وخمسة من زملائه في عشة فراخ تغطيها الرطوبة ولا تزورها الشمس.. وكل ما ينفقه في الشهر على كافة شئون حياته هو مبلغ لا يزيد عن ثلاثة جنيهات. الانفصال إن تلك الظروف الصعبة هي التي جعلتهم يتشددون فيما يفعلون.. إن الجلباب القصير وتحته السروال كان نوعا من التحايل على تنوع الثياب التي كان يرتديها الآخرون.. والتمسك بالتفاصيل الصغيرة كان تأكيدا على الاحساس بالتمايز والانتماء وتفريق تام بينهم وبين من حولهم.. أما هذه التفاصيل الصغيرة فكانت متنوعة.. منها إطلاق اللحية بلا تهذيب أو قص إلا ما زاد عن قبضة اليد.. وقص الشوارب لمخالفة الماجوس.. وعدم اطالة الشعر لمخالفة الشباب المستهتر.. وغير ذلك من المظاهر الأخرى. وعقاب الجماعة لعضو من أعضائها يكون بالنبذ.. ثم بحرمانه بالتميز في المظهر والسلوك.. مثل إجباره على حلق اللحية.. ويروي خالد البري: ولعل أكثر من آلمني حيث اضطررت مرة لحلق لحيتي وأنا في السنة الجامعية الأولى هو افتقادي لذلك التميز رغم ما قد يجره علي اطلاق لحيتي من مشاكل مع رجال الأمن وحرماني من دخول الكلية.. لم أستطع تقبل كوني أشبه الجميع في أي مسجد أذهب اليه وأن الناس هم يصطفون للصلاة ينتظرون تقدم أحدهم للإمامة ينظرون الي قائلين: تفضل يا شيخ.. وذهبت ذات مرة حليقا الى شاب يتحدث مع فتاة في الجامعة وطلبت منه أن يتوقف عن الحديث معها كما تعودت وبدلا من الاعتذار بتبرير معين كما اعتاد الطلاب أن يفعلوا نظر الي مستهزأ وقال: وانت مين؟.. وهكذا لم أتحمل أن أكون حليقا فأطلقت لحيتي غير مكترث بالعاقبة.. وفيما بعد احتاج خالد البري الى بعض الوقت للتعود على مظهره الطبيعي وكلماته العادية التي تشبه كلام الناس عندما انفصل عن الجماعة.. لكن.. ما الذي دفعه الى هذا الانفصال؟.. الاجابة تحتاج الانتظار. ـ كاتب مصري