تمتلك بعض الشعوب روح الدعابة وأسرار النكتة وخفة الدم أكثر من غيرها، وتصبح تلك الروح الساخرة علامة مميزة تتفرد بها، وتتداخل في تفاصيل حياتها اليومية، فتتحول الدعابة بالتالي من ترف إلى حاجة أساسية كالقوت اليومي.. ومن بين تلك الشعوب يتفرد المصريون بذكاء النكتة ودلعها ومغازلتها على جميع المستويات، فترتسم على الوجوه بعفويتها وخفتها ولغتها المثيرة التي تتماشى والموقف المعاش.. النكتة المصرية كائن حي تأخذك إلى أعتابها. فكلما اعتقدت انك انتهيت تجد نفسك وقد بدأت من جديد حتى تنتابك رجفة خفية فتصرخ لا إراديا «اللهم اجعله خير»! وعلى الرغم من أن الضحك أوسع المخدرات انتشاراً في العالم بفضل التواصل الحضاري والتكنولوجي الذي سهّل كثيراً من معرفة الآخر، الا انه شكّل قديما مأساة للمؤرخين نتيجة ما اكتشفوه خلال دراساتهم، فالنكات البلجيكية الشهيرة كانت منتشرة في اليونان القديمة، والضحك في البرلمان منع ابان الثورة الفرنسية فيما تحول في عصرنا الحاضر إلى لعبة سياسية. ورأى الفيلسوف الألماني نيتشه ان الانسان اخترع الضحك بسبب الألم الذي أصابه، بينما توصل ارسطو إلى ان الانسان هو الوحيد بين الحيوانات التي تضحك. أما فولتير فقد وصف الضحك بأنه نوع من السعادة تتم عبر سحب عضلات الوجه نحو الاذنين! وبحث مؤرخون آخرون طويلاً في أسباب الضحك، حيث اعتبره بيرجسون عقاباً تفرضه المجتمعات ضد أعمال القمع التي يمارسها المتسلطون، بينما أكد درودون على أن الضحك ضروري للتقدم نحو مقاومة الأوضاع السيئة، إلا أن الفيلسوف والمؤرخ اليوناني القديم هوميروس أشار في كتاباته الى ممثلي الشعب في أولمب القديمة إلى أنهم كانوا يتندرون خلال الجلسات بمشاكلهم الزوجية لجهة الفشل أو النجاح مثيرين الضحك والفوضى. ومع بداية الديمقراطية في الثورة الفرنسية واجه الضحك معارضة شديدة فمنع النواب من الضحك خلال الجلسات، اما في القرن العشرين فأصبح الضحك طقساً سياسياً، فكان الانجليزي تشرشل والرئيس الفرنسي الراحل ديجول أول من يطلقها عند انتهاء الجلسات أو المؤتمرات. وتحول الضحك إلى أداة سياسية في الديمقراطيات الحديثة، لكن هذه الاداة القديمة المتجددة تجاهلها المؤرخون طويلا رغم اشاراتهم أحياناً إلى نكات عابرة انتشرت في اليونان وبلجيكا، إلا أنه ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين عمد باحثون سوفييت للاهتمام بهذه الظاهرة البشرية معتبرين بأنها ثورية، فالنكتة التي كانت في الماضي عملة متداولة في كل مطبخ سوفييتي شحيح والوسيلة للترويج عن الذات لا تزال حية ولها شعبيتها في روسيا في مرحلة ما بعد الشيوعية ولكن بفارق واحد، فالنكات الآن تستهدف حديثي الثراء من الذين ينتمون للطبقة الجديدة من رجال الأعمال، وليس اعضاء حزب لينين الذين كانت جموع الناس في الماضي تجد في خطاباتهم السياسية المنمقة مصدراً للتندر وتأليف النكات اللاذعة. وقد سئم الروس اليوم من السياسة ولذلك فان النكات السياسية لا تلقى رواجاً حيث اصبح التركيز على نكات الروس الجدد الذين يثيرون المشاعر ذاتها التي تثيرها السلطات في نفوس الناس، وذلك بسبب الهوّة الواسعة بين نمط حياتهم ونمط الحياة الذي يعيشه أغلبية الشعب. وأشار أحد الكتاب الروس في مجلة نوفوستي الروسية الى أنه ليست هناك أية دولة اخرى في العالم لعبت فيها النكات دوراً مهماً مثل روسيا مؤكدا على أن الجورجيين واليهود والاوكرانيين التشوكتشيين هم أكثر المستهدفين بالنكات العرقية، فمثلاً تصور النكات الجورجيين كأناس محبين للتظاهر واطراء الذات، يتحدثون بنبرة صوت عالية، وأثرياء لكنهم يفتقرون الى الذوق في الملبس، بينما تصور النكات اليهود بأنهم طماعون وخبثاء، اما التشوكتشيون وهم جماعة تعيش في شمال شرق سيبيريا فهم ظرفاء وفكهون، فمثلا تقول احدى النكات: سُئل رجل تشوكتشي عن سبب شرائه ثلاجة فأجاب: أتدفأ بداخلها، فدرجة الحرارة في الخارج 40 درجة تحت الصفر، لكنها في الثلاجة 4 درجات مئوية فوق الصفر! لقد خلقت الأزمات والمحن والتقلبات الاجتماعية بيئة خصبة لمؤلفي النكات والدعابات ففي عهد الاتحاد السوفييتي كان ذكر نكتة أمام الاصدقاء الجالسين حول طاولة المطبخ الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الرأي حول ما يحدث داخل البلد. والنكتة تتحدث عن نفسها دون اضافات أحيانا.. فقد سأل سجين زميله في السجن: ما سبب اعتقالك؟ فأجابه: قلت نكتة! فسأل سجيناً ثانياً: وأنت؟ أجابه: لقد استمعت إلى نكتة! فسأل سجيناً ثالثاً: وأنت؟ فأجاب: أنا مسجون للاهمال عن التبليغ عن جريمة، فقد سمعت رجلاً يقول نكتة خلال حفلة وتساءلت وأنا في طريقي للمنزل عما اذا كان ينبغي عليّ الابلاغ عنه الآن أم الانتظار حتى الصباح، فقررت الانتظار، فاعتقلتني الشرطة السرية في تلك الليلة!