مضى عام تقريباً على تزامن ثلاث حالات: استلام الرئيس بوش وإدارته الجمهورية للحكم في البيت الأبيض الامريكي، تولي شارون منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، واستمرار الانتفاضة الشعبية والمسلّحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلال هذا العام الماضي، تراوح موقف الإدارة الامريكية بين ابتعادٍ عملي عن الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي المتفجر، وبين اقترابٍ سياسي حذِر لا يتعدى في خطواته التنفيذية زياراتٍ سريعة لممثلين لوزارة الخارجية الامريكية. وقد كان ـ وما يزال ـ هذا الموقف الامريكي موضع انتقادٍ فلسطيني وعربي ودولي، نابع عن تخلّي امريكا ـ وهي القوة الأعظم في هذه المرحلة، وصاحبة القرار الأول في مجلس الأمن، والداعمة الرئيسة لإسرائيل- عن الدور المنشود منها لوقف العدوان الإسرائيلي المستمرّ على الشعب الفلسطيني. لكن يبدو أن الإدارة الجمهورية الجديدة لا تشارك الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي كلّه في تلمّس خطورة ما يحدث من انتهاكٍ إسرائيلي لكل الاتفاقات التي رعتها ودعمتها واشنطن بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في حقبة التسعينات. فما هي أبعاد هذا الموقف الامريكي المتضامن مع حكومة شارون والمتجاهل لمسئولية واشنطن عن ضمان الاتفاقات الموقعة على أرضها؟ لقد أُعطيت تفسيرات كثيرة حتى الآن لهذا الموقف الامريكي، وكان بعضها يرى في ابتعاد واشنطن عن الأزمة المتفجّرة في الشرق الأوسط أنه ابتعاد مؤقت ستلحقه خطوات أميركية فاعلة، بعد أن تثبت الإدارة الجديدة أوضاعها الداخلية. لكن هذا التفسير كان ممكناً لو كانت واشنطن حيادية في مواقفها، بينما واقع الأمر يدلّ على أن الإدارة الامريكية تؤكد دعمها لحكومة شارون في غالب الأحيان، مقابل إدانةٍ متكرّرة للموقف الفلسطيني، بينما الفلسطينيون هم المعتدى عليهم أصلاً وهم الضحية.. إذن، هل هذا الموقف الامريكي هو نتيجة حساباتٍ سياسية داخلية للإدارة الجمهورية من أجل ضمان دعم اليهود الامريكيين في الانتخابات الامريكية المقبلة؟ قد يكون ذلك احتمالاً ممكناً لكنْ هذه الإدارة لم تصل أصلاً إلى البيت الأبيض بفضل أصوات اليهود الامريكيين، كما أن الرئيس بوش يتمتع الآن بشعبيةٍ أميركية لم يصل إلى مستواها سابقاً إلا عدد محدود جداً من الرؤساء الامريكيين، وهو قادر كذلك على إبلاغ الشعب الامريكي أن واشنطن تريد اقتلاع كلّ جذور الإرهاب ضد امريكا وبأن ذلك يقتضي معالجة فعلية للوضع المتفجر في الشرق الأوسط .. فإذا قلصنا من قيمة هذا الاحتمال «الحسابات السياسية الداخلية»، فهل يكون في الرؤية الاستراتيجية الامريكية أن الحاجة الامريكية لإسرائيل ستزداد مستقبلاً؟ وكيف يكون ذلك ممكناً بعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد أن خاضت امريكا ثلاث حروبٍ في العقد التالي لسقوط الاتحاد السوفييتي، ودون أن تحتاج امريكا لإسرائيل في أيةٍ من هذه الحروب: الحرب ضد العراق في الخليج، الحرب ضد الصرب في يوغوسلافيا، والحرب ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان. بل نجد، على العكس تماماً، أن امريكا قد طلبت «في هذه الحروب الثلاث» من إسرائيل الابتعاد عن التحالفات الدولية التي أقامتها واشنطن، مقابل تعاون أميركيٍ «عسكري وسياسي ومالي وأمني» مع عدة دولٍ عربية وإسلامية. أيضاً، لقد أصبحت الكرة الأرضية كلّها متاحة أمام التواجد العسكري الامريكي، برّاً وبحراً وجواً، فلِمَ هذا الدعم الامريكي المطلق والمفتوح لدولةٍ صغيرةٍ بحجمها السكاني والجغرافي «إسرائيل» ممّا سبب وسيسبّب مشاعر معادية لواشنطن على امتداد مساحةٍ جغرافية تشمل نصف الكرة الأرضية وتضمّ أكثر من خمس عدد سكان العالم ؟! إن الموقف الامريكي الحالي يتسبب في خسارة من هم أصلاً أصدقاء لامريكا في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ولا يمكن اعتبار خلفية الموقف الامريكي هي الحرص على المصالح الامريكية.. فهل تكون هذه السياسية الامريكية نابعة من حرص الإدارة الجمهورية الجديدة على عدم الاستمرار فيما أنجزته إدارة كلينتون الديمقراطية من اتفاقاتٍ بين الفلسطينيين والإسرائيليين في حقبة التسعينات؟ وهل تنظر الإدارة الحالية إلى شخص الرئيس عرفات بشكلٍ مغاير لما كانت عليه إدارة كلينتون؟ علماً أن إدارة الرئيس جورج بوش الأب انتهت عام 1992 دون تكريس اعترافٍ أميركي بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني، فقد كان التمثيل الفلسطيني آنذاك مترابطاً مع الوفد الأردني، ولم يحصل فكّ الارتباط عملياً بين الوفدين إلا بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993، والتي تمت برعاية الرئيس كلينتون. إن شارون يُسقط عملياً، منذ استلامه الحكم، كلّ مضامين الاتفاقات الموقعة أصلاً بين أركان حزب العمل الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الامريكية الديمقراطية السابقة. فهل نحن الآن أمام أوضاع جديدة تشترك فيها رؤية الإدارة الامريكية الحالية مع طروحات شارون المتكرّرة بأن المصير الفلسطيني يرتبط بالمصير الأردني من خلال دولةٍ فلسطينية متحدة مع الأردن؟ هذه كلّها مجرّد احتمالات، بل هي محاولات للتنجيم في فلك الموقف الامريكي الذي لم يعد أيّ عقلٍ بقادرٍ على فهمه «على حد قول وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بعد لقائه الأخير مع بوش». وطالما نحن في سياق قراءة الموقف الامريكي، فلنفهمه تهكّماً بأنه محاولة من الإدارة الامريكية الجديدة للتشجيع «ولو بشكلٍ باطني» على أسلوب المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تمثلاً بتجربة الاستقلال الامريكي عن العرش البريطاني، إذ أن أمام الشعب الفلسطيني الآن نموذجان: نموذج السير فقط بطريق المفاوضات والتنازلات «كما حصل في حقبة التسعينات من خلال اتفاقيات أوسلو وما بعدها»، أو نموذج الانتفاضة والمقاومة كما حصل في الأراضي المحتلة أواخر ثمانينات القرن الفائت ثم في جنوب لبنان حيث أجبرت المقاومة إسرائيل على إنهاء احتلالها للأراضي اللبنانية المحتلة منذ عام 1978. فإذا كانت المواقف العلنية لواشنطن تتخلى عن مسئولياتها في ضمانة الاتفاقات الموقعة سابقاً وتدين المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وتساوي بين حقّ المقاومة المشروع وبين الإرهاب المذموم، فإن الوجه الآخر لهذه المواقف هو عدم المراهنة الفلسطينية على أيّ أملٍ بأسلوب المفاوضات والاتفاقيات التي ترعاها امريكا، طالما أن دبابات شارون تدوس كل يوم ما يوقعه المتفاوضون في واشنطن. ـ مدير مركز الحوار العربي في واشنطن