هناك.. عند تخوم المدينة البحرية، كانت تسهر «أم الدراويش»، تسهر ونسهر معها دون أن يغلبها النعاس أو يغلبنا، الى أن ذهبوا بها إلى النسيان، لذا أراني الآن مدفوعاً لكشف محبتي لها أكثر من أي وقت مضى عرفاناً وحنيناً، وإن جاء الاعتراف متأخراً. وليقل البعض، إنه يكفّر عن ذنب اقترفه بحق «أم الدراويش» معلناً ندمه على الغياب المديد عنها، أو فليتّهمني أحدهم بنسيان الخبز والملح في سنوات غربتي، ولسان حاله إن التذكّر لن يغيّر في الأمر شيئاً، وما حصل قد حصل.. فصاحبة الحظ العاثر قد أضيفت إلى ضحايا الوطن الصغير، وتحوّلت الى مجرد ذكرى أو رقم ضمن اللائحة الطويلة التي تضم في ثناياها أمكنة وبيوتاً وأشجاراً صارت بين ليلة وضحاها أثراً بعد عين. قبل أيام، علمت بالنبأ خلال مطالعتي إحدى الصحف اللبنانية.. خبر مكوّن من سبعة سطور تصدّر صفحة «المناطق» على مساحة عمودين، وكان ممكناً نشره على عمود واحد فقط لو لم يكن مرفقاً بصورة ملونة «لامعة» تظهر بوضوح آثار «العدوان» الذي حوّل «أم الدراويش» إلى مجرّد أطلال متناثرة.. ومحطة ذكرى لكل من مرّ بها وبث حكاياته في أرجائها ورسم أحلامه على شرفاتها. شيء يدعو للأسف فعلاً.. حتى الأخبار السيئة أحياناً تشعرك بأهميتها، وتبعث فيك فرحاً داخلياً إذا مُنحت مساحة أوسع خلال النشر! هكذا بلغني الخبر، وأحزنني أنني لم أتلقّفه من أصدقاء، بل من مراسل تلك الصحيفة، وشعرت خلال قراءتي سطوره القليلة بإحساس مرير أثار شجوني التي ما ان تستعيد هدوءها، حتى يجيئها شيء أشبه بإعصار ينتزعها من «منفاها» ويلقي بها في أماكنها الأولى. وفي بضع كلمات تلخص قرار الإعدام.. إنهم يريدون تجميل الواجهة البحرية للمدينة عبر إقامة مقاهِ ومطاعم «أنيقة» وليس معروفاً من سيكون المستفيد منها.. ولا أحد يدري طبعاً ماذا ستكون الشروط على الساعين لارتياد الجمال الآتي! وتساءلت: لماذا هذا الصراع بين دعاة الحضارة والأكواخ الفقيرة؟.. ثم أليس ممكناً التجاور بين كوخ متواضع ومقهى أنيق.. ويكون لكل منهما روّاده بما يحقّق لهذا الشاطيء البديع جماليته المنشودة، ويحفظ حميميته ورومانسيته الفطرية، ويقي الذاكرة الشعبية من الاندثار؟! هناك كانت «أم الدراويش».. استراحة بسيطة تنتشر في رحابها أكواخ صغيرة تحنو على بعضها عند ذلك الانسياب الصخري غرب مدينة صور.. وقريباً من «الخراب» وهي تسمية يطلقها «الصوريّون» على المنطقة المتشكّلة من حارات قديمة تتوزع في تفاصيلها خانات وقناطر وزواريب ضيقة تتصل بالبقعة الاثرية المليئة بالهياكل والأعمدة والنواويس التي خلّفها «الرومان» في زمن غابر. عند رأس المدينة وبمحاذاة «أم الدراويش» كانت أسراب النوارس تغط وتحوم ثم تغيب حين يظهر الشفق اللازوردي في الافق، لتأتي بعدها أفواج من البشر يقصدون المكان سيراً على الاقدام عبر طريق ترابية متعرجة ومنهم من كان يجازف بالمجيء مستقلاً سيارته غير آبه بوعورة الدرب. وكرمى لعيون «أم الدراويش».. الغالي يغدو رخيصاً،.. فهل أجمل من أن يهنأ المرء بجلسة شاي أو عشاء لذيذ وقت هدوء العشية وعلى هدهدة من فيروز حيناً ومناجاة من أم كلثوم حيناً آخر. أطلقوا عليها «أم الدراويش».. لكن لم يكن الدراويش وحدهم الذين يرتادونها، فثمة «غرباء» كانوا يأتون اليها.. وسيرتها على كل شفة ولسان: حسن ضيافة، أمانة وشعور يبعث على الألفة. أما «ثمن البهجة» لدى «أم الدراويش» فليس غالياً، وبقليل من النقود فقط ينال الزائر سعادته، فيما غبطته الغامرة لا يتّسع لها الكون. استقبلتنا «أم الدراويش» فأمضينا أمسيات جميلة.. كان بيننا القادمون من العاصمة، وآخرون أتوا من خارج البلاد. أقمنا النقاشات السياسية الصاخبة، قرأنا الشعر وخضنا في سجالات الفكر والأدب. أما العربدة الاسرائيلية قبالة شاطيء صور، والمتمثلة بإطلاق النار ترهيباً على مراكب الصيادين، فلم تكن تحول دون ترددنا الدائم على المكان حتى أن صديقنا الإيطالي أطلق صرخة استهجان حين علم بأن الزوارق التي تمخر المياه على مرأى منا هي اسرائيلية.. مبدياً دهشته من لامبالاتنا بكل محاولات العدو إفناء الحياة ومساحات الفرح. «أم الدراويش» صارت حطاماً منثوراً على الشاطيء، وكثير من «الدراويش» وغيرهم ممن لن يكون لهم «دعسة قدم» في المقاهي الأنيقة سيفتقدون مثل تلك السهرات على شرفتها البحرية التي كانت تمتد حتى طلوع الفجر. ولن أنسى وأصدقاء كثيرون أمسية أضاءها الشيخ امام عيسى بصوته العذب وأوتار عوده، كان ذلك خلال زيارة نادرة له الى جنوب لبنان في العام 1993، يومها غنى الفنان الضرير القادم من أرض الكنانة بكل جوارحه لمجد العرب وعزتهم، كان يرى بقلبه أن نصراً سيتحقق ضد الاحتلال الاسرائيلي لهذه المنطقة التي أحبها كثيراً، وخصّها بأناشيد عاطفية رقيقة لكن القدر لم يمهله ليشهد هذا الانتصار حقاً. سحرنا الشيخ الجميل أيضاً بغنائه روائع عبدالوهاب وسيد درويش، فيما كانت فاكهة الأمسية مقطعاً شعرياً غزليّاً بالعامية اللبنانية لقّنه للشيخ أحد الحضور، فارتجل له لحناً عذباً وأدّاه باحساسه المرهف: «شلْعة نَوَر عينيك.. علّق حلق دينيك بإيديك.. حلوة إيديك كتير». ومنذ ذلك الحين لا أزال أردّد هذا المقطع.. وأتذكّر الشيخ إمام و«أم الدراويش». Email: ismail_haidar@yahoo.com