غريب أمر الظروف، وعجيب هو تاريخ بعض الرجال ولكنه ليس بعيداً عن حالهم ذلك البيت الخالد من الشعر الذي يقول شاعره: هي الأيام كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وفي الرجال قيل أيضاً: (لكل زمان دولة ورجال)! ونعود نتذكر، ونتابع تصريفات الأيام، وتقلبات الظروف بالبشر وبالرجال، فنتيقن بأنه لا شيء ثابتاً، فكل شيء الى ذهاب، وإلى نهاية، لا أحد يبقى معلقاً على كراسي الثبات والانتظار طويلاً، الكل يغادر، يفارق وقد ينتهي سريعاً أو بطيئاً أو بعد حين، فحتى السهم يغادر وتر القوس، والنظرة تغادر العين، والخفقة تغادر القلب، والسلطة تغادر أصحابها سريعاً، فينتهون ـ كما نتابع يومياً ـ نهايات بائسة (فلا يغر بطيب العيش انسان!). بدأ القرن الجديد منذ شهور فقط، ومع أولى خطواته انفجرت (أولى حروب القرن)، حرب بشعة، قاسية ولا انسانية. زج فيها العالم بأسره، وتقوضت من خلالها قيم ومنظومات ومعايير وثوابت، أولها حقوق الانسان، وحوار الحضارات بينما صدقت نبوءة فوكوياما حول (نهاية التاريخ والانسان الاخير). بدأ القرن وتحت عباءته رجال كانوا ملء السمع والبصر، وما ان بدأ في المسير حتى تساقط الرجال واحداً اثر الآخر، في الوقت الذي اعتلى فيه آخرون قمة الحدث وقمة الاهتمام، ففي الوقت الذي بدأ فيه الرئيس الأمريكي أيام ولايته بحملات سخرية وهجوم في صحافة بلاده وبرامج التلفزيون باعتباره رئيساً (جاهلاً) لا يعرف الفرق بين طالبان وفرق الروك الشعبية، فإنه صار اليوم الرئيس الأكثر شعبية والأقرب الى نفوس كل الأمريكيين، وبالتأكيد فقد عرف على وجه اليقين بأن (طالبان) ليست فرقة روك موسيقية شعبية كما أجاب في احدى المناظرات أيام الحملات الانتخابية!! عرفات رئيس عربي ملأ الدنيا وشغل الناس، مثله مثل أسامة بن لادن، وسفير طالبان الأشهر (عبدالسلام ضعيف) وها هم جميعاً محاصرون مرتهنون في سجون متباينة، فـ (عرفات) رهين سجن الاقامة الجبرية التي فرضها عليه شارون، و(أسامة) رهين سجن المطاردة والهروب اللانهائي في تيه بلا آخر، و(عبدالسلام ضعيف) ضعيف أسير في قاعدة جوانتانامو الكوبية، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً! وها هو أحد أقطاب تاريخ مليء بالأسرار والتحالفات والمؤامرات وأحد صناع مرحلة من مراحل لبنان والمنطقة العربية، المجهول من حقائقها اكثر من المعروف ضمن ملفات ودهاليز وأسرار، وفي قلوب رجال موزعين ما بين الحياة والموت، ما بين العواصم والاقامات الجبرية والحراسات المشددة، ها هو (ايلي حبيقة) يموت منفجراً في سيارته، وما كان لرجل مثله ان ينتهي بغير هذه النهاية، فإلى كل الذين نعوا فيه شاهداً رئيسياً نقول بأن: الحقيقة لا يؤسسها صناع الموت، والعدل لا يقيمه رجال ملأوا الدنيا جثثاً وشربوا حتى الثمالة من كؤوس تبادلوا انخابها مع قتلة وسفاحين من أمثال شارون!! فلم يمت بموت (حبيقة) شاهد على شارون، بل مات بموته فرد ساهم في تاريخ أسود كان من أشهر فصوله اجتياح الجيش الاسرائيلي بدباباته لواحدة من أجمل عواصمنا، وفي حين احتل شارون (وزير الدفاع آنذاك) قصر بعبدا، كانت بقية العواصم العربية تغط في نوم عميق وصمت من ذهب!! aishasultan@hotmail.com