ارهابي اسرائيلي يغتال ارهابيا عربيا .. وكلاهما شريكان في تدبير وتنفيذ جريمة ارهابية دموية راح ضحيتها مئات من رجال ونساء واطفال عرب. هذا هو المغزى النهائي الذي يمكن ان يستخلص من حادثة اغتيال ايلي حبيقة القائد السابق للميليشيا المارونية المسيحية في لبنان التي كانت احد الاطراف الرئيسية في الحرب الاهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) ومع ذلك فان الرحيل الفجائي الدراماتيكي لهذه الشخصية الارهابية يجب ان يعتبر خسارة عربية. الارهابي الاسرائيلي المسئول عن اغتيال حبيقة هو باجماع كل الاطراف المعنية ـ طاقم الحكم في لبنان بشقيه المسيحي والمسلم وسوريا والقيادات الفلسطينية المقيمة على الارض اللبنانية ـ الجنرال ارييل شارون، والقرينة الظرفية الاساسية التي يجمع عليها كل هؤلاء هي توقيت العملية الاغتيالية. لقد جرى اغتيال حبيقة على خلفية احياء التحري في جريمة قتل جماعي وقعت في ضواحي بيروت قبل نحو عشرين عاما وبالتحديد بعد يومين من اعلان قاض بلجيكي بان محكمته سوف تقرر قريبا ما اذا كانت ستقبل الشكوى المقدمة من ذوي ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا ضد أرييل شارون باعتباره المسئول عنها بوصفه وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك عندما ارتكبت الجريمة ـ اي في عام 1982. ومن الطبيعي ان يكون شارون متوجسا من قرار المحكمة البلجيكية المرتقب (وهي محكمة من نوع خاص انشئت وفق تشريع بلجيكي يجيز للقضاء البلجيكي النظر في القضايا المتعلقة بجرائم ضد الانسانية حتى لو وقعت خارج الحدود البلجيكية). ومن الطبيعي ان تمتد ظلال الخوف لتشمل اسرائيل كدولة والحركة الصهيونية العالمية التي تدعمها وترعاها في عصر يعلو فيه صراخ «مكافحة الارهاب». ولكن لماذا يقرر شارون تصفية ايلي حبيقة؟ ان التحقيق الوحيد الذي اجري حول المسئولية الجنائية بشأن مذبحة صبرا وشاتيلا هو تحقيق اسرائيلي قامت به لجنة حكومية. والتقرير الذي صدر عن لجنة كاهانا في ذلك الزمن من ثمانينيات القرن المنصرم يوجه الادانة الى شخصيتين: ايلي حبيقة وارييل شارون الاول يتحمل المسئولية المباشرة في اصدار الامر بالقتل الجماعي الى مقاتلي الميليشيا المسيحية باعتباره قائدها .. والثاني يتحمل مسئولية غير مباشرة باعطاء الاذن للقائد المسيحي واصدار امر لقوات اسرائيلية بتطويق معسكري صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين حتى لا يخرج احد من سكان المخيمين حيا. لكن تقرير «لجنة كاهانا» لم يفض الى محاكمة اي احد رغم ان شارون فقد منصبه كوزير للدفاع ليتولى حقيبة وزارية اخرى .ولمدى 19 عاما حتى عام 2001 ظلت القضية طي النسيان الى ان تقدم نفر من ذوي الضحايا بدعواهم الى القضاء البلجيكي عقب صدور التشريع البلجيكي بانشاء محكمة القضايا المرتكبة ضد الانسانية. عندئذ دخل ايلي حبيقة على الخط فقبل نحو ستة أشهر اعلن انه سوف يقدم الى المحكمة البلجيكية «ادلة دامغة» تثبت ان ارييل شارون هو المسئول الاول والاخير عن مذبحة صبرا وشاتيلا. ورغم اننا لا نعلم شيئا عن الادلة التي تحدث عنها حبيقة الا ان مجرد اعلانه ان بحوزته شيئا من هذا القبيل يجب ان يعتبر سببا كافيا لارييل شارون للتخلص من شريك جريمة قرر لنفسه ان يكون شاهد اتهام رئيسيا ضد رفيقه. ومما يعزز هذه الفرضية ان حبيقة ابلغ قبل اسبوع واحد فقط من اغتياله وفدا بلجيكيا زائرا في بيروت بأن حياته مهددة. وصفوة القول ان موت ايلي حبيقة هو من وجهة نظر الفلسطينيين والعرب عموما سبب للفرح والاسف في آن معا: الفرح بأن سفاحا لقي ما يستحق .. والاسف بان غياب هذا السفاح يساعد الوضع القانوني لسفاح آخر اشد شرا.