عندما دخل جيش الاحتلال الصهيوني مدينة طولكرم فقد اعلن هذه المرة وبشكل مباشر عن نسف العملية السلمية التي دمرت اساساتها منذ وقت طويل ولكن الاحتلال المباشر لهذه المدينة كان بالمقابل تصريحا مباشرا من شارون بالغاء اتفاقية اوسلو كون هذه المدينة تقع في المنطقة (أ) الخاضعة خضوعا تاما للسلطة الفلسطينية، ومع ذلك فقد لاحظنا صمتا امريكيا تاما مع تأييد رسمي لاعمال شارون وفي الصورة المقابلة لم نلاحظ الاهتمام الكافي من الدول العربية التي وقفت تنتظر خروج القوات الاسرائيلية من هذه المدينة وحتى الشارع العربي لم يتأثر حيث مر الامر دون اي اعتراض شعبي علني! وضمن التركيبة السياسية العالمية الجديد خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر صارت الواجهة السياسية العربية مقيدة بأحداث الولايات المتحدة رغم علمها بالبراءة التامة منها ولكن يبدو ان الواقع الفلسطيني المحاصر ازداد حصارا من جميع الجبهات حتى من الجبهة الداخلية التي تقف متأرجحة على حدود الوحدة الوطنية مما يجعل القضية الفلسطينية محاصرة ليس من الاحتلال الصهيوني وحده بل من مجمل الظروف المحيطة بها وبالتأكيد هذا ما يسعى اليه شارون عبر افكاره المتطرفة عن العملية السلمية المدفونة اصلا. خطوات الضغط السؤال المطروح الآن وبقوة يتمحور حول التفكير الذي دفع شارون للقيام بخطواته الاحتلالية فبغض النظر عن تاريخه الدموي وبنيته النفسية القابعة في الدماء فان هذه الافعال ترتسم من جانبها السياسي لتضيق الحصار حول الشعب الفلسطيني وسلطته وتسعى لايجاد مجموعة من الضغوطات الداخلية والخارجية على السلطة كي تقدم كل ما يريده شارون وهو تكريس الاحتلال وابقاء الفلسطينيين تحت السيطرة التامة من قبل الجيش الصهيوني وبالتأكيد في اطار حكم ذاتي محدود وضمن الارض الحالية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية مع الأخذ بعين الاعتبار ان بعض هذه المناطق الضيقة والمحدودة لن تبقى كاملة لان شارون يطمح الى المزيد من الارض الفلسطينية بحجج متنوعة فقد قال شارون مؤخرا: «على اسرائيل ان توسع القطاع الخاضع تحت سيطرتها الذي يفصل بين رفح ومصر من اجل منع تهريب وسائل قتالية للسلطة الفلسطينية وانه من الممكن ان تضطر اسرائيل الى تعويض الفلسطينيين ماليا مقابل المنطقة التي ستصادرها منهم لغرض توسع القطاع الامني وبالطبع فهذا جزء من المكشوف والمعلن عند شارون ومن حساباته الخاصة ايضا التي باتت تطمح بالمزيد حتى عن الواقع الحالي سواء فيما يتعلق بالارض الفلسطينية او بشكل الحكم الفلسطيني. فان الازمة ليست ازمة شارون وحده بل تضم حتى رؤوس اليسار الذين كانوا دائما ينادون بالعودة الى المفاوضات ويعتبرون الواجهة المسالمة بالنسبة للتصنيف العبري ولكن هذا الارهاب الشاروني لم ينتقل فقط الى اليسار بل انتقل الى الشارع الاسرائيلي فقد بينت استطلاعات الرأي في الكيان الصهيوني ان 15 بالمئة فقط يؤيدون اليسار مما يعني ان الشارع الاسرائيلي كان ومازال يتمسك بالروح الارهابية التي جاء شارون لينفذها وهذا الجزء البسيط المؤيد لليسار يجعل بيريز ووزراء العمل يزدادون تشددا كونهم مازالوا يطمحون برئاسة الوزراء خاصة اليعازر بعد فوزه بزعامة حزب العمل وبداية ميله الى رئاسة بخطوات عسكرية يمينية اكثر تطرفا مما كان عليه. واذا كان الجزء الاول من مخطط شارون للضغط على الفلسطينيين هو اعادة الاحتلال فان الجزء القادم سيكون بالسطو على المسجد الاقصى وتدنيسه من قبل اليهود فقد ذكرت الصحف العبرية ان هناك توصية من جهاز الاستخبارات الاسرائيلي «الشين بيت» الى وزير الأمن الداخلية «عوزي لانداو» بالسماح لليهود المتطرفين بدخول ساحات الحرم القدسي الشريف خلال الايام المقبلة واذا ما تم هذا الاجراء فسيكون الاول من نوعه منذ اندلاع الانتفاضة التي اندلعت بالسبب المباشر حينما دخل شارون المسجد الاقصى قبل ان يتسلم رئاسة الحكومة الاسرائيلية، وهذا الموضوع اثار تخوف بعض اعضاء الكنيست مما دفع «يوسي ساريد» للوقوف في وجه شارون صارخا: «لماذا تتعجرف الى هذا الحد؟! ان حكومتك مذعورة كما من الموت، وتخشى ايام الهدوء، لقد لقي عشرة مصرعهم بعد اغتيال الكرمي، والآن وفي وضعنا الجديد تثير موضوع زيارة اليهود للحرم القدسي» ولكن شارون كان رده رد المتحدي حتى لحكومته حين قال: «زيارة الحرم سوف تتم كما يجب ولن يكون هناك وضع لا يسمح فيه لليهود بزيارة الحرم» ويبدو ان شارون الماضي في مخططاته لن يتوقف بل لعله سيزيد عليها مرة من خلال الحدود ومرة من خلال الامن الشاروني المقلق ووصل به الامر الآن للعودة الى تدنيس الاماكن المقدسة فالى أين يمضي مع حكومته؟! شروط شارونية شارون الذي بدأ حياته بالمجازر لابد انه مستمر بها فشروطه الجديدة التي ابلغها الى واشنطن هي في الواقع شروط ليست للقضاء على الانتفاضة فقط بل للقضاء على أي حلم فلسطيني ومهما كان صغيرا فهو يريد ان تقوم السلطة باعتقال من يرغب هو باعتقالهم ومحاكمتهم أولا ثم تفكيك منظماتهم ثانيا، ومن الممكن ان يطلب من الرئيس ياسر عرفات ان يفكك حركة فتح التي يتزعمها؟!! ويريد ايضا جمع الاسلحة من التنظيمات الفلسطينية. ومن الممكن هنا ان يطالب بجمع أسلحة قوى الأمن الفلسطيني كما يطالب بمنع العمليات الفدائية لكي ينفذ ما يريد من اغتيال وهدم منازل واحتلال، ويزور المسجد الأقصى مع يهوده كما يشاء ويريد أيضاً وقف التحريض ضد اسرائيل ومن الممكن ان يطالب مستقبلاً بضرورة تغني الفلسطينيين باسرائيل أو بمجازره! ومن الواضح ان اليمين الاسرائيلي غير راض عما يقوم به الجيش من احتلال وتدمير منازل واغتيالات ولا يعجبه هذا المشهد الشاروني بل يريد المزيد وبرأيه اجمالا ان احتلال طولكرم هو بمثابة ما كانت تريده اسرائيل من السلطة ولم تفعله، وفي ظل هذا التطرف نجد ان ذلك الاحتلال هو النموذج الفريد في العالم والذي رغم كل أعماله الدموية ما زال يطالب بالكثير بل لعل محاصرة رئيس السلطة الفلسطينية وسجنه بهذا الأسلوب يعتبر الأكثر غرابة أمام أنظار العالم أجمع من حكومات تدعي الديمقراطية إلى أخرى تنادي بحقوق الانسان إلى ثالثة تريد عالماً خالياً من الارهاب؟ إلى هيئات دولية لم تحرك ساكناً حتى الآن رغم قراراتها الدولية غير المنفذة!! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق