جاء منح جائزة العويس للانجاز العلمي والثقافي لمجلة «العربي» علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي من محيطه الى خليجه. ولعلها المرة الأولى التي تفوز بها مطبوعة صحفية بجائزة كبيرة كهذه، أو لعلها المرة الأولى التي تتساوى فيها المطبوعة الصحفية والمؤسسة الثقافية وكأنهما صنوان ثقافيان كبيران. ولكنها ليست المرة الأولى التي تنتصر فيها المعرفة وتنحاز الى الحقيقة بوصفها فعلا مستمرا عمره أكثر من أربعين سنة. فقد فاز بهذه الجائزة المتميزة عدد لا بأس به من الذين تركوا بصمات واضحة على المشهد المعرفي العربي من الجواهري الى القرضاوي مرورا بنزار قباني وصولا الى حمد الجاسر علامة الجزيرة وقد ساوت الأمانة العامة للجائزة بين تلك القمم العلمية والثقافية وبين مجلة شعاعها عمّ المنطقة العربية بأسرها. فمنذ طفولتي وأنا أتابع «العربي» قراءة وتصفحا، فقد كانت تشدني في البداية تلك الاستطلاعات التي تنشرها على صفحاتها عن مناطق جغرافية لم تشبعها كتب المدرسة درسا وتمحيصا، فعرفت ان هناك مكانا اسمه «جزر القمر» وعرفت ان المساجد الاسلامية منتشرة في «المالديف» وعرفت ايضا ان «اندونيسيا» بلد عملاق في آسيا كما تعلمت منها أصول كتابة المواضيع الانشائية حيث العبارة الجميلة الصحيحة وحيث مواضيع أدبية وعلمية ساعدتني كثيرا لنيل علامات متفوقة في المدرسة، فكنت أستشهد بشعر قرأته في العربي، وكنت أدعم موضوعي العلمي بصورة من العربي، ومازلت أحفظ نوادر أو أمثالا أو قصصا أو عبرا حفلت بها صفحاتها آنذاك، بل انني قلت للشاعر محمد ابراهيم أبو سنة الذي التقيته مؤخرا في الكويت لقد كنت أقرأ قصائدك في العربي، فقال مفتخرا: نعم، ان العربي كانت سبب شهرتي كشاعر. وأذكر جيدا انه عندما كانت الثقافة شأنا طبقيا يختص به الطلبة والكادحون كنت أشاهد مجلة «العربي» في كل بيت أزوره، وكنت أعتقد ان ذلك مرده الى ثمنها البسيط، ولكني عندما توسعت دائرة معارفي اجتماعيا وسياسيا شاهدت المجلة ايضا في مكتبات الميسورين وبين أيدي المثقفين البرجوازيين، فأدركت ان المرجعية ليست الثمن البسيط، بل المعرفة العميقة والمعلومة الصحيحة التي ترضي جميع الاتجاهات وتلبي حاجة القراء على اختلاف مشاربهم وتمذهبهم عقائديا. نعم ان مساواة مجلة «العربي» بالقامات الثقافية والعلمية العالية يعد كسرا للتابو العظيم الذي يصنم التفكير ويحد من انطلاقته اذ ان هناك مثيلات كثيرة للعربي في الثقافة سواء أكانت مؤسسات أو مطبوعات أو جماعات فكرية تستحق لفتة تكريم أو تقدير أو جائزة. وها هي مؤسسة العويس قد عبدت الطريق الى ذلك، فبوركت خطوتها.