لم يقل أحد شعراً كما قالت العرب، فالشعر تاريخهم وديوانهم وساحة فروسيتهم، وفي هذه الساحة النضرة لم يتقن العرب فناً كما أتقنوا شعر المحبة، وفي هذا الديوان لم تكتب سير بكثرة ما كتب عن العشاق والمحبين وأحوالهم وما آل اليه أمرهم، برغم ان تاريخ العرب وواقعهم كان مليئاً بالحروب والغزوات، والقتل والترحال وشظف المعيشة، والثارات التي لا تنتهي، ومع ذلك فقد تخرج من هذا التاريخ قوافل من المحبين لم يعرف التاريخ لهم عدداً ومثيلاً! وعلى امتداد تاريخ الانسانية، فقد صنعت المحبة تاريخا لرجال بلا تاريخ، تاريخ من السلام والتسامي برغم شقائه واختباراته ومن هنا كان من الموروث العربي المتداول (ان من عشق وكتم ومات من فرط ما يجد من الهوى فهو شهيد)! مع ان شاعر الانجليز الأشهر شكسبير يقول بأن (الحب أعمى) فربما قاد هذا العمى في بلاده الى أكثر قصص الحب تألقاً وشهرة. ففي العام 1894، ولد للأسرة الانجليزية المالكة، دوق وندسور الملك ادوارد الثامن، فكان فرداً في أسرة ملكية تقدس الدم الأزرق، وتتعالى به حتى على نفسها، لا تعترف بسطوة الحب ولا تهتم بغير العرش والتاج، والبروتوكولات الباردة بين ردهات القصور وحتى في غرف النوم، لكن القدر اراد ان يعلم هؤلاء بأن للتاريخ طريقاً آخر يعبره غير طريق بوابات القصور، انها بوابات القلوب المشرعة لرياحه وعواصفه على الدوام. وهذا ما كان من امر الملك ادوارد الثامن الذي وقف أمام رياح الحب كورقة خريف سرعان ما استسلم للرياح راضياً عندما أحب الليدي الامريكية المطلقة وقرر الزواج بها في مقابل التخلي عن عرش الامبراطورية البريطانية! لقد سافر الملك حول العالم، واقام خارج بريطانيا طويلاً، والتقى ذات يوم بقدره في وجه سيدة أمريكية مطلقة، وقف أمام سطوتها مرتعشاً كطائر صغير، وحائراً بينها وبين العرش، وعندما اتخذ قراره كان العرش والتاج يلوحان له بالوداع النهائي، فكان الرجل الوحيد ـ ربما ـ الذي أحب بصدق! ذلك انه ما من رجل بامكانه ان يتخلى عن ثروة بسيطة لاجل امرأة، فما بالك بعرش وتاج ومملكة؟! وفي مذكراته كتب الدوق العاشق: (لقد صرت انساناً عادياً وموضوعاً لكل الألسنة، وجدت امرأة تتحدث إليّ بلا مسافات كبيرة، وبدون ألقاب السمو والعظمة والجلالة، كانت تقول لي ببساطة انت يا فلان.. فتركت العرش ونزلت لأجلس على الأرض بجوارها وفي قلبها.. فكانت قصة حب دامت 36 عاماً...). انها المحبة التي عندما سئل عنها (جبران خليل جبران) أجاب كقديس: اذا اشارت المحبة إليكم فاتبعوها، واذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها، واذا خاطبتكم المحبة فصدقوها فالمحبة تضمكم الى قلبها كأغمار حنطة.. وتطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج. كل هذا تصنعه المحبة الحقة، لكي ندرك أسرار قلوبنا فنصبح بهذا الادراك جزءاً من قلب الحياة، إنها لا تهبكم نفسها لتبحثوا عن الطمأنينة في اللذة، فإذا كان هذا ما كنتم تبحثون عنه، فالأفضل ان تستروا عريكم، وتخرجوا من بيادرها الى حيث تضحكون وتتلذذون بلا هدف. ماذا نريد من المحبة، وماذا تعطينا هذه الحقيقة الخالدة؟ انها لا تملك شيئاً، ولا تعطي إلا نفسها، انها لا تريد منك سوى ان تذوب ـ اذا استطعت ـ وتكون كجدول متدفق يسقي الجميع، ان ترضى بجراحات المحبة في حبة القلب وان تنهض عند الفجر محلقاً منتظراً يوم محبة آخر، ان تعود الى منزلك شاكراً، وان تصلي لأجل من أحببت وفي قلبك أنشودة حمد لله، وشكر على حب يملأ حياتك بهجة ورضا. aishasultan@hotmail.com