في مطلع كل عام، تنشط اجهزة الاعلام، عادة، في نشر المواد الصحفية المتعلقة بالمستقبل، وبثها اذاعيا وتلفازيا، وهناك اليوم دراسات عامة غزيرة ترمي الى استشفاف كنه الايام المقبلة ومعرفة طواياها وخفاياها، بهدف محاولة الوقاية من الاخطار المحتملة التي تنتظر البشرية، ولكن الاهم هو السعي الى التحكم بالاتجاهات والتطورات القادمة وتغيير مساراتها نحو الافضل. وفي مقابل هذا، توجد ايضا ابحاث خاصة لتقصي مستقبل كل حقل من حقول الحياة على حدة، وسنعنى في هذا المقال بمستقبل التربية، حصرا، ويبدو ان التنبؤ في هذا المجال، اصعب مما هو في باقي الميادين، نظرا لان التربية ليست قطاعا مستقلا بذاته، بل انها تتفاعل باستمرار مع قطاعات اخرى في المجتمع، مثل الاقتصاد والسياسة والثقافة وغيرها، اضف الى ذلك، انها تتأثر تأثرا بالغا بالنمو السكاني، وبالانفاق المالي، ومن ناحية اخرى، فإن المطلوب منها ان تتعامل في المستقبل مع موضوعات جديدة لم تكن في الماضي مطروحة على نطاق واسع، مثل الديمقرطية وحقوق الانسان ونزع السلاح وحماية البيئة وتحقيق السلام العالمي والقضاء على العنف العدواني واتقاء اخطار التكنولوجيا الحديثة. وبالطبع، فإن التنبؤ بمستقبل التربية، يستهدف الاسهام بحل مشكلاتها وتخفيف العوائق التي تحول دون تقدمها، والا فإنه سيكون مجرد ضرب من التسلية الذهنية. ويبين كتاب «مستقبل التربية وتربية المستقبل» الذي قام بتأليفه فريق من اشهر الخبراء التربويين العالميين، ان المناهج الدراسية المطبقة حاليا في كثير من دول العالم، ولاسيما النامية، لم تعد ملائمة لمستلزمات المستقبل، من عدة وجوه: فهي، مثلا، تعاني من القصور في مجال التدريب المهني العملي، ومن الاخفاق في الربط بين مخرجات النظام التعليمي، وبين الحاجات الاجتماعية والتكنولوجية والعلمية. ومن الامور الهامة في تحديد مستقبل التربية، ان يكون هناك ترابط وثيق بين التربية والتدريب المهني، ويوجد في هذا المجال، منحيان، منحى قديم يفصل بينهما، ومنحى جديد يدمجهما معا ويؤكد تكاملهما، على اساس الجمع بين الدراسة والعمل، وربط التدريب بالعمل والانتاج، بحيث تكون هناك فترات متعاقبة من التعليم والتدريب والعمل، وهذا المنحى الجديد ينطلق من الوعي بخطورة الفصل بين التربية والعمل، والذي من شأنه ان يقود الى نظام تربوي غير عقلاني والى خسائر اقتصادية، ناهيك عن توسيع الهوة بين العمل الذهني والعمل الجسدي، وعن تزايد الوظائف التي تعتمد على الشهادات، وعن اضفاء الطابع البيروقراطي على النظام التربوي. وعلينا ان نلاحظ ان تحقيق التناوب بين الدراسة والتدريب والعمل بالاضافة الى تحويل التدريب المهني والعمل الى انتاج فعلي، يثير العديد من المشكلات كتلك التي تتعلق بتحديد السن الذي يجب ان يبدأ فيه التدريب ثم الانتاج، وكذلك تقرير نوع العمل الذي يجب ممارسته. وينصح مؤلفو الكتاب الذي اشرنا اليه، الدول ولاسيما منها المتخلفة، بتبني بعض العناصر في استراتيجياتها التربوية المستقبلية، ومنها: ـ ربط التعليم، ليس بالعمل وحده، وانما ايضا بالنشاطات الاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها. ـ جعل التربية المستمرة، اساسا للنظام التربوي التعليمي. ـ اتباع مبدأ المساواة والديمقراطية، في نظام تعليم الشبان والكبار.. ـ تصميم اساليب تعليمية تؤدي الى تنمية روح النقد والاستقلال والابداع لدى المعلمين. ـ العمل على تطوير نظم التعليم غير النظامي، وتحقيق اكبر قدر من التكامل بينهما وبين نظم التعليم النظامي. وهناك تأكيد خاص على العلاقة بين التربية والسكان والاقتصاد فالانفجار السكاني في مختلف الدول، يؤدي الى توسيع الطلب على التعليم، والى حاجة المزيد من الاطفال الى امكنة ومعلمين وكتب مدرسية جديدة، مما يعني ضرورة توفير اموال جديدة. وهذا يدل على ان اي تخطيط تربوي للمستقبل، يجب ان يكون اساسه الانفجار السكاني في المدارس، وعلينا ان نضع في الحسبان، ان احراز اي تقدم تربوي، لا يمكن ان يتم، الا بتحقيق نمو اقتصادي يقود الى زيادة الانفاق المالي على قطاع التربية والتعليم. وقد اظهرت بعض الدراسات، ان هناك ترابطا وثيقا بنسبة 95 ـ 99% بين الانفاق العام على التربية، وبين مجمل الناتج القومي في قطر ما، وهذا قد يطرح امامنا تساؤلا هاما: فهل الانفاق التربوي هو الذي يشجع النمو الاقتصادي، على اساس انه استثمار انتاجي، ام ان النمو الاقتصادي هو الذي يفسح المجال امام تحقيق انفاق اكبر على التربية، قد يكون الاحتمال الثاني هو الاقرب نسبيا الى الواقع، لان جزءا هاما من الانفاق التربوي، يعد انفاقا استهلاكيا لا انتاجيا، وفي الحقيقة، فإن زيادة الانفاق التربوي، تشكل اكبر تحد يواجه الدول في المستقبل، وتبلغ ميزانية التربية الوسيطة في معظم اقطار العالم من «15 الى 30%» من الميزانية العامة. ولا شك ان الدول النامية، بشكل خاص، سوف تواجه مأزقا تربويا حقيقيا، اذا لم تتمكن من توفير اموال اضافية لتغطية مصروفاتها التربوية خلال السنوات او العقود المقبلة. وهكذا، فإن، التخطيط التربوي المستقبلي، يجب ان يبدأ الان، او ان يكون قد بدأ بالفعل، دون اي تأخير، في مختلف اقطار العالم، وذلك من منطلق انقاذ التربية من الهوة التي يتوقع ان تتردى فيها، وذلك قبل فوات الاوان. فإذا كان الانسان لا يستطيع التحكم بالماضي، فإن الامر يختلف بالنسبة للمستقبل، لان بالامكان، مع تقدم علم المستقبليات، تغيير الكثير من مساراته تغييرا ايجابيا ومنها بالطبع المسار التربوي. ـ كاتب سوري