لابد من الاقرار بان الجدل الذي اثير اخيرا في شأن انعقاد القمة العربية العادية الثانية في بيروت، لم يكن غريبا او مفاجئا، بغض النظر عن اسبابه ودوافعه الشكلية المباشرة، وذلك اذا اخذنا بعين الاعتبار ان العمل العربي المشترك ـ برغم وجود جامعة الدول العربية ودورها التنسيقي ـ لم يرتفع في أي وقت من الاوقات الى مستوى مؤسسي حقيقي له آلياته الرسمية، وتقاليده الراسخة، وشرعيته غير القابلة لاي تشكيك. ولهذا بدا التعامل مع موعد القمة 27/28 مارس المقبل ومكان انعقادها (بيروت) ـ وهو ما كان تقرر في قمة عمان العادية الاولى ـ وكأنه وجهة نظر قابلة للنقاش والتعديل والتغيير، جريا على العادة المتبعة في مثل هذه الاحوال والمناسبات، وليس بصفته قرارا مؤسساتيا ملزما وينبغي احترامه. ان تحويل القمة العربية الى مؤسسة حقيقية وفاعلة، لن يتحقق الا اذا توفر شرط انعقاد القمة في مواعيد دورية محددة، بالاضافة الى الاجتماعات الطارئة التي تقتضيها ظروف استثنائية عاجلة، سواء تحقق اتفاق كامل بين الدول العربية حول القضايا المطروحة، او كان الاتفاق جزئيا، فدائما ثمة نقاط مشتركة تجمع الدول العربية، او بعضها، واذا كان هناك تباين في وجهات النظر في شأن قضايا معينة، ينبغي الا يحول هذا التباين دون تحقيق اللقاءات الدورية او الاستثنائية، لتبادل الرأي على الاقل، واقرار ما يمكن اقراره من امور اساسية مشتركة. فالتطابق في وجهات النظر لم يحدث في اي وقت من الاوقات، ولا ينبغي ان يشكل شرطا لازما لعقد اللقاءات، على اي مستوى من المستويات، من دون ان يؤدي ذلك ـ طبعا ـ الى المس بقضايا مبدئية واستراتيجية ثابتة كشرعية مقاومة الاحتلال، مثلا، او عدالة القضية الفلسطينية وضرورة دعمها. التأصيل المؤسسي ولعل الخطأ الذي وقع اخيرا، قبل ان يتم تجاوزه بفضل الجهود التي بذلها امين عام الجامعة العربية عمرو موسى، هو ان التشكيك بانعقاد القمة صدر عن جهة لبنانية رسمية (البلد المضيف)، ولو انها ليست الجهة المخولة دستوريا في البت بمثل هذه الامور، مما سمح باثارة نقاش لاداعي له حول الجانب المؤسسي في هذه المسألة، اي دورية انعقاد القمة، وحتى مكانها المقرر، الامر الذي يجعل من اي شيء يرتبط بهذا الموضوع قابلا للبحث واعادة النظر، في حين تبدو الحاجة ملحة لتثبيت هذا التقليد (دورية القمة) وعدم المس به لاي سبب من الاسباب، ومع ان الخطأ ارتبط، اعلاميا، بمسألة جانبية لاعلاقة للقمة بها، كما اشار الجدل الذي دار لبعض الوقت ومضمون الاعتراضات المتبادلة، الا ان المصادر الرسمية اللبنانية، ومن بينها وزير الثقافة اللبناني، حرصت على التوضيح بأن «جوهر القضية هو تخوف العرب من عدم تمكنهم من الوصول الى موقف موحد من القضية الفلسطينية». قد يكون ذلك صحيحا الى حد ما، ولكن بالعودة الى الظروف التي انعقدت فيها القمة السابقة والملفات التي طرحت امامها، نجد ان ثمة ملفا اضافيا مهما تواجهه القمة الحالية وربما قبل ملفي فلسطين والعراق ـ هو ملف الحملة الامريكية على الارهاب والضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الدول كافة، العربية وغير العربية، لحملها على السير في ركابها، بغض النظر عن مواقع الخطأ والصواب في كل ما تقوله وتفعله الادارة الامريكية منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي، لاسيما بالنسبة للقضايا التي تهم الدول العربية وتعنيها بصفة مباشرة. مرحلة جديدة من المتفق عليه ان المرحلة الراهنة التي تسبق انعقاد القمة العربية الثانية تفوق في خطورتها ظروف انعقاد القمة الاولى، وهذا يستوجب ، ليس تشاورا عربيا عابرا وانما نقاشا معمقا مسئولا ينتج عنه اتخاذ مواقف موحدة ازاء التهديدات الراهنة، واذا كانت القمة الاولى توصلت الى صيغة دبلوماسية مخففة لوصف النزاع العراقي ـ الكويتي، حيث حل وصف «الحالة بين العراق والكويت» مكان الصيغ الاتهامية العنيفة التي ظلت تستخدم منذ حرب الخليج الثانية، على أمل ان تساعد هذه الخطوة الشكلية في خلق اجواء مناسبة لحوار ايجابي بين الطرفين، فإن القمة المنتظرة مطالبة باتخاذ موقف حازم لمنع الادارة الامريكية من شن حملة عسكرية ضد العراق شبيهة بتلك التي استهدفت افغانستان، من دون ان يكون ثمة مبررات لذلك. ويرى العديد من المحللين ان محاولة اطاحة النظام العراقي بالقوة العسكرية الامريكية المباشرة سيطرح العديد من الاحتمالات السيئة ابتداء من تدمير ما تبقى أو ما تم تجديده من البنية التحتية العراقية وانتهاء بتعريض العراق لخطر التفكك لمصلحة جيران متربصين، أو تحت تأثير الصراع العراقي ـ الكردي. وفي جميع الاحوال فإن مثل هذا الاحتمال سيسبب المزيد من المعاناة للشعب العراقي، وسيلغي دور العراق العربي، ما يشكل خدمة اضافية لاسرائيل، كما يحدث شرخا عميقا داخل البنيان العربي. المأساة الفلسطينية وفيما يخص الوضع الفلسطيني فإن المطلوب من القمة العربية يتجاوز هذه المرة توفير الدعم المادي الذي يمكّن الشعب الفلسطيني من الصمود في وجه الحصار الاسرائيلي المتزايد ـ وهو ما فعلته قمة عمان السابقة ـ الى ضرورة إعادة التأكيد على الثوابت العربية الخاصة بهذه القضية المركزية وفي مقدمتها: ـ الحفاظ على عروبة القدس. ـ حرية تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ـ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، بعد انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي من جميع مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة حتى حدود 1967. ـ تأكيد شرعية مقاومة الاحتفال الاسرائيلي بجميع الوسائل المتاحة. ـ التمسك بالمرجعيات الدولية الخاصة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي، لاسيما القرارات 242 و338 و194 المتعلق باللاجئين الفلسطينيين. والقمة العربية مضطرة، هذه المرة ايضا، لإعلان استنكارها مجددا لموقف الولايات المتحدة الذي يحول دون اتخاذ مجلس الأمن قرارا بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني. فكما منعت واشنطن مجلس الأمن ـ قبل قمة عمان ـ من اصدار قرار يسمح بارسال مراقبين دوليين الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كررت موقفها السلبي من هذه المسألة مرة أخرى، مما سمح لقوات الاحتلال بقتل المزيد من المدنيين الفلسطينيين، والحاق المزيد من التدمير بالبنى التحتية في مناطق السلطة الفلسطينية وفرض الحصار على رئيس السلطة الفلسطينية نفسه ومنعه من مغادرة مقره تماما. إن ما أثير أخيرا حول انعقاد قمة بيروت انطوى على اشارات واضحة في شأن وجود تباين في مواقف الدول العربية من السلطة الفلسطينية، ومن رئيسها بالذات. لكن ذلك، وفي حال صمته، بنبغي ألا يحول دون اتخاذ موقف عربي واضح وحازم من الممارسات الاسرائيلية الحالية والمدعومة من الولايات المتحدة باعتبارها تهدد الشعب الفلسطيني كله، والقضية الفلسطينية برمتها. فشارون، الذي أعلن تصميمه على تدمير السلطة الفلسطينية واسقاطها، يريد تصفية القضية الفلسطينية كليا وترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين الى الأردن تنفيذا لمشروعه المعروف «الوطن البديل» والذي يبني استراتيجيته التدميرية على أساسه. ضرورة المواجهة إن اتخاذ هذه المواقف المبدئية لا يمكن ان يتم من دون التوجه الى الادارة الامريكية مباشرة ومعارضتها بأن حملة مكافحة الارهاب التي تقودها ينبغي ألا تتخذ ستارا لتدمير قضايا عادلة كالقضية الفلسطينية. لابد من مواجهة هذه الادارة المتميزة بحقيقة ان اسرائيل هي التي تمارس الارهاب ضد الشعب الفلسطيني وليس العكس، وان الاحتلال لا حقوق له، وبالتالي لا يمكن تبرير أعمال القتل والتدمير الاسرائيلية بالقول انها تشكل دفاعا عن النفس، فالشعب الفلسطيني بجميع قواه وتنظيماته، هو الذي يدافع عن نفسه في مواجهة الآلة القمعية الاسرائيلية، وواجب المجتمع الدولي يفرض الوقوف الى جانب هذا الشعب ودعمه، بدلا من تشجيع العدوان الاسرائيلي أو السكوت عن أعماله المشينة. مثل هذا الموقف الواضح والحازم لا يمكن اتخاذه الا اذا استطاعت الدول العربية مجتمعة في قمة بيروت ان ترفض الوقوف موقف المتهم حيال الحملات الاعلامية الامريكية والاسرائيلية التي تستهدف وصم العرب والمسلمين جميعهم بالارهاب، وذلك من خلال التأكيد مجدداً على ضرورة التمييز الواضح بين الارهاب ومقاومة الاحتلال. فالعرب ضد الارهاب، شأنهم في ذلك شأن مختلف الشعوب المتحضرة، لكن واجبهم الوطني والأخلاقي والانساني يملي عليهم، في الوقت نفسه، الوقوف ضد الاحتلال ومقاومته دون هوادة. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس