بعد أن أعادت الى ذهن المجتمع الدولي صورة «الرئيس السجين» ياسر عرفات الذي يبقى رهن منزله او مكتبه في مدينة رام الله بأمر اسرائيلي من ارييل شارون صاحت ليلى شهيد سفيرة فلسطين لدى فرنسا: «أين العالم العربي»؟! هذه الصيحة التي تعكس اسى ممتزجا بيأس وغير قليل من الغضب تزامنت مع صدور بيان شعبي فلسطيني تطغى فيه جرعة الغضب ولا تنقصه صراحة. واذا كانت صيحة السيدة السفيرة التي أطلقت في سياق مقابلة مع فضائية فرنسية تعكس الشعور الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية فان البيان يعكس مشاعر الشارع الفلسطيني الملتهب. لقد صدر البيان عن ذلك التنظيم النضالي المظلى الذي تنضوي تحت لوائه فصائل المقاومة الشعبية قاطبة ودون اي استثناء بمختلف توجهاتها الايديولوجية من إسلامية الى ماركسية وقومية. و«لجنة المتابعة العليا للقوى الفلسطينية» هي وليدة انتفاضة عام 2000 التي تقترب الان من شهرها السابع عشر. يقول بيان اللجنة: «في هذه اللحظات التاريخية والمصيرية نستغرب الصمت العربي والاسلامي الرسمي». ومن ثم يدعو البيان قادة الدول العربية والاسلامية «لتحمل مسئولياتهم التاريخية والاخلاقية واتخاذ قرارات وخطط تحرك فاعلة.. تكون على مستوى المخاطر التي يتعرض لها شعبنا ووطننا». فهل يستجيب قادة العرب والمسلمون بالمستوى المطلوب؟ لقد درجت الحكومات العربية والاسلامية في تعاملها مع القضية الفلسطينية على تبني سياسة استرضاء عوضا عن سياسة مواجهة نحو الولايات المتحدة ـ الشريك الاستراتيجي الدائم للدولة اليهودية الاسرائيلية. وعندما يسأل زعيم عربي او إسلامي في ذلك فانه يقول على الفور: «هذا ما يريده الفلسطينيون». وحيث ان الاشارة في هذا السياق هي الى قيادة السلطة الفلسطينية ـ وتحديدا الرئيس عرفات ـ وليس الى المقاومة الوطنية التي تتحمل العبء الميداني للانتفاضة الشعبية فان مسلك حكومات العالم العربي والاسلامي ليس بلا منطق. القيادة العليا للسلطة الفلسطينية، برهانها الاستراتيجي الثابت على الولايات المتحدة وليس على المقاومة الشعبية الداخلية، هي التي وفرت للنظام الرسمي العربي والاسلامي ذريعة النأي بنفسه عن الانتفاضة الفلسطينية لاتقاء إغضاب واشنطن. الان وقد ادركت قيادة السلطة الفلسطينية ـ أو هكذا يبدو ـ ان الحرب الشارونية الشرسة موجهة ضد السلطة نفسها وقائدها بقدر ما هي موجهة ضد الشعب الفلسطيني لابادته ووراثة ارضه، فانه متاح لها تصويب خطأ رهانها على قوة عظمى هي شريك في الجريمة بالأصالة، وبالتالي احداث تغيير جذري في نهج تعاملها مع الحكومات العربية والاسلامية. على قيادة السلطة الفلسطينية ان تغير ما بنفسها اولا حتى تستطيع ان تغير ما بالقيادات العربية والاسلامية. واذا ما فعلت فان ذلك سوف ينعكس على طبيعة خطابها على أداء دول الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي. لو حدث ذلك فان القيادة الفلسطينية لن تكتفي من اجتماعات القمة ببيانات ختامية متبطلة. انها، ومن ورائها ثقل المقاومة الباسلة، سوف تواجه القادة العرب والمسلمين بتجاوز الحاجز النفسي تجاه الولايات المتحدة فتكون طلباتها في الحد الأدنى امدادات سلاح وذخيرة وقطع العلاقات مع اسرائيل بصورة كاملة وحاسمة واعادة النظر في التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والسماح للمتطوعين العرب والمسلمين بالانضمام الى المقاومة والاصرار على ارسال قوة دولية الى الاراضي الفلسطينية ومطالبة مجلس الامن باجراء تحقيق دولي في البرنامج النووي الاسرائيلي. وعندما يطل ياسر عرفات من نافذة مجلسه في رام الله ويرى الدبابات الاسرائيلية تحاصر إقامته القسرية فان عليه ان يستذكر الى اين انتهت به سياسة المهادنة والاسترضاء سواء تجاه الولايات المتحدة وانعكاس ذلك على الأشقاء في العالم العربي والاسلامي.