كتب المفكر العربي صادق جلال العظم بعد هزيمة 67 كتابا مميزا انتقد فيه الأسباب المؤدية للهزيمة، واعتبره نقدا ذاتيا للحالة العربية آنذاك. ثم كتب كتاباً فيه نقد كبير للمقاومة الفلسطينية بعد هزيمتها في الحرب الأهلية الاردنية عام 1971، كما انه كتب كتاباً أسماه «نقد الفكر الديني» أثار الكثير من الجدل ودخل بسببه الى السجن في لبنان لفترة من الزمن. لكن صادق العظم ما كان يعلم ان الأمة سوف تعيش عصرا وراء العصر في ظل الحاجة للنقد الذاتي المتواصل، وذلك دون ان تنجح في اصلاح حالها، فالهزيمة في كل امة أكانت عسكرية أم ثقافية أم سياسية تتطلب نقدا ذاتيا موجعا وذلك للسماح لها باعادة ترتيب شئونها ومسيرتها بما يسمح لها بالاستفادة من الاخطاء والتعلم بمن المتعرجات.. لكن النقد الذاتي العربي ظل مقصورا على فئة صغيرة من المثقفين، كما انه لم يصل للنخبة العربية ولم يصل للشارع العربي مما حجب عنا المقدرة على انجاز ما تنجزه الأمم الأخرى: التعلم من الأخطاء لصالح طرق تفكير جديدة. وفي العالم العربي اليوم تعطش للمدرسة النقدية وخوف منها بالوقت نفسه.. فهناك تعطش للنقد الموجه للحركات السياسية الاسلامية منها والليبرالية، ولكن في الوقت نفسه هناك تخوف من ان يكون النقد سلاحاً يسلط على العرب ويقوي أعداءهم ويقوي الحجج المستخدمة ضدهم. إذ يخشى الكثير من العرب من ان يصب النقد لصالح اسرائيل ولصالح جماعات الضغط الصهيونية، ولصالح كل من يعادي المواقف العربية، بل نجد ان هذه العقدة جعلت العرب أكثر تخوفا من النقد وابتعادا عن ممارسته. الخوف من النقد لأسباب تتعلق بالوحدة في مواجهة الغير أصبح أحد العناصر التي تمنع العرب من التعلم من اخطائهم وتجاربهم وتحد من قدرتهم على التقدم. والنقد أمر يخافه العرب لأسباب اضافية منها كثرة تسليطه للضوء على مجتمعات ودول تخشى من العلنية وتخشى من التقييم وتخشى من التغيير.. فالذين يسيطرون على مجرى الحياة السياسية يخشون النقد، والذين يسيطرون على مجرى الأجهزة والمؤسسات يخشون النقد ذاته، والذين يسيطرون على تيارات المجتمع يخشون النقد، والذين يسيطرون على أجهزة الدين والتيارات السياسية يخشون النقد.. وكأنه يوجد اجماع عربي وتضامن عربي يعادي التقييم والتجديد والحقيقة. وقد تعمقت مشكلة النقد الذاتي لدى العرب لأن النقد عندما يقع يتحول الى صراع شخصي بين الأفراد. والنقد في بلادنا سرعان ما يتحول الى نقد شخصي لا علاقة له بالدروس واستيعابها. ان النقد الذاتي العربي بعد الحادي عشر من سبتمبر لم يبدأ بعد. فنحن لم نبدأ في مواجهة الاسئلة الصعبة من شاكلة: ماذا حققنا وماذا لم نحقق في الصراع العربي الاسرائيلي؟ هل التضحيات بمستوى النتائج، ولماذا هي أقل من النتائج بطبقات ودرجات؟ وهل كان بامكاننا كعرب سلوك طريق آخر في هذا الصراع يساهم في ايصالنا الى نتائج أفضل من النتائج الراهنة؟ ونتساءل: ماذا جنينا من مواجهتنا الدائمة مع الولايات المتحدة؟ ماذا جنينا من تفادي المرور بالتجربة الديمقراطية؟ وماذا جنينا من نمط التفسير الحرفي والنصي والضيق للاسلام الذي ليس بالضرورة جوهر الاسلام أو المدرسة الوحيدة فيه؟ كيف ننهض وما هي وسائل وطرق النهضة؟ كيف نصل لمشروع وطني في كل دولة عربية يساهم في النمو الاقتصادي والسياسي والثقافي؟ عشرات الاسئلة تتطلب روحا نقدية نفتقدها اليوم. إن ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر يشكل هزيمة جديدة للعرب والمسلمين لا تقل في عمقها عن هزيمة 67، فهذه الهزيمة سببتها حالة غياب القيادة ونقص الديمقراطية وسواد اتجاهات متطرفة وفهم مغلوط للدين وللعلاقة مع العالم. النقد الذاتي بعد الزلزال الذي لايزال في طور الفعل والتوسع، يتطلب جرأة ويتطلب حديثا صريحا عن الظروف التي أدت الى ما نحن فيه، وهو يتطلب ايضا حديثا صريحا عن الطريق الذي سوف يسمح لنا بالخروج من أزمتنا الراهنة. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت