عندما نطالع التنبؤات السياسية التي قامت برصدها مؤسسة الايكونوميست البريطانية وبالذات حول مستقبل العالم الاسلامي فكأنما نضع ايدينا على محور سوء الفهم المتبادل بين العالمين اللذين يعرفان تبسيطا بعالم الشرق وعالم الغرب وكأنما نردد قولة الشاعر البريطاني رويارد كبلنغ وكان بالمناسبة استعماريا حتى النخاع ان الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا في يوم من الأيام. صحيح أن كاتب (الايكونوميست) واسمه بريان بيدام يرصد تيارات عام 2002 الجديد تحت عنوان (عالم اسلامي حديث) بل ان الكاتب المذكور يحرص على أن يبدأ رؤياه المستقبلية لعام 2002 بعبارات متفائلة يقول فيها: ـ إن أيام الاسلام الذي تحتكره الاقلية تؤذن الى نهايتها وثمة عملية اصلاح باتت تلوح على الطريق. وصحيح انه يبشر قارئيه في الاستطلاع المنشور حول عالم 2002 بالا يخشوا صراعا أو تصادما بين الحضارات بكل ماقد ينطوي عليه مثل هذا الصدام من مخاوف تبعث الرعب في فرائص الناس، ثم يصل به تفاؤله الحد الذي يتطلع فيه الى اليوم الذي تنتهي فيه الفظائع والهيستيريا التي سادت الغرب كما هو بديهي بعد الحادي عشر من سبتمبر وبعدها يصبح أهل الغرب ودار الاسلام جيرانا يسود بينهم الود والوئام. لكن الصحيح ايضا ان صاحب هذه الرؤية يعلق تفاؤله هذا على آمال نراها غريبة بل وغير سوية: انها آمال ازدياد الصراع التنافسي بين الغرب والصين ومن ثم يعمل الغرب جاهدا على أن يضم في معسكره اركان وأطواف العالم الاسلامي لكي يفوز معها في الصراع المرتقب مستقبلا ضد التنين الصيني الرابض مترصدا ومتلمظا ـ كما يتصور الغرب ـ في أقصى الشرق الآسيوي.. في هذا الصدد يسوق الكاتب الانجليزي عبارات يقول فيها: ـ قد يأتي اليوم الذي يأمل فيه المسلمون والغربيون في أن يسود بينهم حسن الجوار اذا ما تكشف أمر الصين في سنوات القرن الحادي والعشرين فإذا بها تصبح المشكلة الحقيقية في تلك الحقبة بحيث تشكل خطرا يحدق بكلا الطرفين عالم الغرب وعالم الاسلام من جانبنا نرفض في عالم الاسلام والعروبة أن نعلق حسن الجوار وحسن التعامل بيننا وبين الغرب على شرط صراع مرتقب أو مأمول بيننا وبين بلد آسيوي مثل الصين. ولقد نزيد موضوعيا بان ثمة امكانيات محتملة لتعاون مرتقب فعلا بين عالم الاسلام والعرب وبين الصين وفي مجالات شتى لعل في مقدمتها مجال الانتاج والتبادل التجاري ان لم يكن ايضا مجال العلم والتنمية والتكنولوجيا. مشاركة العداء للصين ثم أن نظرة كاتب الايكونوميست ـ بريان بيدام الذي عرضنا له في مستهل هذه السطور تتسم في رأينا بالمنحى السلبي: انه لا يرى سبلا مستقبلية لتفاهم أفضل وتواؤم أوسع بين الاسلام والغرب على أساس مايتمتع به هذان القطبان من ميزات هيكلية ومن امكانات موضوعية، تضعهما معا على طريق التعاون والتواصل من أجل مصلحتهما المشتركة ـ بل هو يرى ان مثل هذا التفاهم المنشود قد لا يتحقق سوى على حساب مصالح طرف ثالث، هو الصين في هذا السياق. من ناحية أخرى يحاول الكاتب البريطاني أن يصحح نفسه حين يشير الى أن العالم الاسلامي مازال يضم اعدادا متزايدة من المسلمين الذين يتمتعون بوضوح الرؤية أو بصفاء النظرة بمعنى الابتعاد عن التعصب واحادية النظر الى الظواهر وفيما نوافقه على وجود هذا العدد المتنامي من أصحاب النظر الصافي والصائب من المسلمين ـ يستوى في ذلك العلماء والمفكرون مع بسطاء الناس الذين يعرفون لعقيدتهم الصحيحة قدرها ويحترمون وينفذون تعاليمها التي تستند اساسا الى ان لا اكراه في الدين والى ان صحيح الاسلام هو افشاء السلام والسعى الى التعارف ـ بمعنى التعاون والتواصل والتفاهم بين الامم والشعوب ـ الا اننا نتحفظ كثيرا على نظرة المستر بيرام الى هذا الجانب في حياة وفكر المسلمين ـ بالتحديد قد يسعدنا القول بأن في بلادنا وبين ظهرانينا قوما يتمتعون بصفاء الرؤية ورغبة التفاهم والتعاون والتواصل مع الاخرين ـ لكن سوف يسعدنا أكثر ان يقوم هذا كله على اساس ايجابي حميمي وأصيل على اساس فضيلة الاعتراف بـ «الآخر» وليس على أساس ان نتقاسم مع الغرب ـ مثلا ـ مناصبة عداء مشترك مع بلد لا يستهان بقدره وحجمه واهميته مثل الصين. السماحة أصيلة ثم أن غلبة تيار السماحة في محيط الاسلام أمر ينطلق اساسا من احتياجات المجتمع الاسلامي المعاصر قبل أن ينطلق من مجرد الرغبة المرحلية في تحسين صورة المسلمين في عيون الاخرين.. فالمسألة ليست تكتيكا تمليه ضرورات ظرفية بل انها مسألة أصيلة بدورها تصدر عن صحيح العقيدة الاسلامية وتهيب بمعتنقيها ان يتعالوا الى الكلمة السواء وان يزيلوا ما غش وجه العقيدة السمح المستنير من انحراف أو تشويه حتى يتسنى لهم ان يواصلوا ـ على هدى منها ـ مسيرة المساهمة المستنيرة، الفعالة والمتفاعلة في حضارة العالم والعصر. مع هذا كله فمن حق الكاتب الانجليزي بيدام أن نذكر له نظرة منصفة لانها تستند الى العلم والتاريخ ـ اطل من خلالها على بعض من اسباب الحنق ـ هل نقول مشاعر الحقد التي اعتملت في نفوس المسلمين تجاه الغرب و هو تناقض بلغ ذروة الصراع بين قطبين قطب العلم والاستنارة والفكر والحضارة وقد كان يمثله الشرق الاسلامي منذ أيام العصر الوسيط. وقطب الاستغلال والامبريالية والعنف والاستعمار وقد كان يمثله الغرب الاوروبي منذ أيام العصر المذكور في هذا السياق يقول الكاتب الانجليزي: ـ منذ ألف سنة كان الاسلام يمثل حضارة مزدهرة تعيش جنبا الى جنب مع أوروبا المتخلفة في العصور الوسطى. هي نفس أوروبا البربرية التي اجتاحت يومها مقدسات الاسلام في بيت المقدس هي نفسها التي استعارت ميراث الاسلام في مجال علوم الفيزياء والرياضيات وقبست فنونه التي اوصلتها الى عصر نهضتها ـ الرينيسانس وبفضلها شقت أوروبا طريقها الى حيث باتت تهيمن على بقية العالم المعمور ومن ثم بسطت سلطانها على المسلمين الذين ادخلتهم في حوذة الامبراطوريات الاوروبية، وتلك أسباب كافية وعادلة لتلك المشاعر من الغضب أو الحنق المكبوت والخلاصة ان مراصد الايكونوميست تترقب ماتسميه بحركة اصلاح في عالم الاسلام ولكنها تستخدم مصطلح الاصلاح على طريقتها اذ تحيل فيه الى الحركة التي قادها عام 1517 مارتن لوثر وشهدت ولادة تيار الاحتجاج بروتستانت والانشقاق على سطوة باباوات روما وهم رأس الكنيسة الكاثوليكية وافضت الى ما أصبح يسمى في التاريخ الأوروبي بمبدأ فصل الكنيسة عن الدولة.. وتلك خصوصية، تنفرد بها العقيدة المسيحية، في أوروبا وأمريكا ولأنها خصوصية فأنها لا تصلح للتطبيق بحال على سائر العقائدالتي يدين بها البشر فما بالك بالاسلام الذي تتكامل في ظله ابعاد العقيدة والشريعة والاحكام والمعاملات وذلك مبحث اخر لا محل له في هذا السياق. من جانب اخر ـ تواصل الايكونوميست توقعاتها لعام 2002 حيث تنقل هذه التوقعات الى عالم الاقتصاد فيتنبأ كاتبها ـ كليف كوك بأن عام 2002 سوف يشهد مزيدا من الانكماش في اقتصاد الولايات المتحدة ولو على مدار الأشهر الستة الأولى من العام. المفتاح هو الثقة وهو يؤكد على الجوانب السيكولوجية الناجمة عن احداث الحادي عشر من سبتمبر قبل الجوانب المادية بالنسبة لعافية الاقتصاد الامريكي باعتباره الاقتصاد الذي يمكن ان يصيب بالعدوى نظما وهياكل اقتصادية اخرى في طول العالم وعرضه. والمعنى ان دمار المركز التجاري في نيويورك لا يشكل خطورة مادية بالغة اذا ما قيست اثاره بالقدرة الاجمالية لاقتصاد الولايات المتحدة ـ المشكلة عند المحلل الانجليزي هي الثقة ـ بالأدق توافرا ـ او انعدام ـ ثقة المستثمرين والفعاليات الاقتصادية في قدرة الاقتصاد على التحرك الى الامام والخطورة تكمن ـ برأي المحلل المذكور ـ في وقوع مزيد من الهجمات التي يطلق عليها وصف الارهابية ومن ثم تضمحل الثقة وتشح الاستثمارات وتعمق علل الاقتصاد الأمريكي ويطول أمد الاصابة بها ـ لا سيما وانها علل هيكلية، وليست عارضة على أنها لم تأت أساسا وموضوعيا نتيجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر باعتبار أن الاقتصاد الأمريكي دخل رسميا وفعليا مرحلة الركود المنذر بالكساد قبل 11 سبتمبر بنحو ستة أشهر وبالتحديد منذ شهر مارس من عام 2001. لهذا يقول كليف كروك ان مفتاح الموقف خلال عام 2002 لن يكون في استخدام الأدوات الاقتصادية، التقليدية - الضرائب مثلا - لا نعاش الاقتصاد الأمريكي ولا اللجوء الى خفض أسعار الفائدة بل المفتاح سيظل متمثلا في الحفاظ على الثقة في عافية الاقتصاد في نفوس المستثمرين والمستهلكين على السواء. ورغم انه يرى أهمية مايسميه مواصلة الحرب على الارهاب، ورغم انه يسلم بالمنطق التقليدي بان الحروب قد تكون مفيدة للاقتصاد الا انه يؤكد ان مثل هذه النوعيات من الحروب كفيلة هذه المرة بأن تفضي الى نتائج اقتصادية سلبية.. فالعدو غير محدد والاهداف الميدانية غير محددة والاجال الزمنية التي تستغرقها العمليات غير محددة بدورها.. وفضلا عن هذا كله فأحوال الاقتصاد العالمي في عام 2002 ليست مواتية لشن ومواصلة هذه النوعيات من الحروب.. وفي هذا يقول كليف كروك: ـ اليابان في حالة ركود والنمو في أوروبا في حالة تباطؤ ولم يكن الامر كذلك حين خاضت امريكا حربها عام 1990 ضد صدام حسين وقتها كان العالم خارج أمريكا يمارس اداء اقتصاديا جيدا. تعريف المجتمع المدني المحور الاخير من تنبؤات الايكونوميست بالنسبة لعام 2002 يتعلق بسؤال مطروح باستمرار على أجندة سائر المهتمين بأحوال العالم الذي نعيش فيه وهو: ـ ماذا عن المجتمع المدني وآفاق الدور الذي يضطلع به في عالمنا؟ ـ ورغم كثرة ترديد المصطلح ـ منذ سنوات التسعينيات فمازال القوم في حيرة من أمر تعريفه على وجه من الوضوح والدقة والتحديد، على نحو ما يقول كاتب الايكونوميست جون جريموند الذي يكاد يطمئن الى التعريف الذي قالت به مؤسسة فورد البحثية في أمريكا وهو ينصرف الى المؤسسات والكيانات والمنظمات والشبكات التي قد ينتظمها القطاع الثالث احيانا يسمونه القطاع الثالثي الذي يلتئم في اطاره المواطنون لكي يعملوا على تحقيق مصالحهم المشتركة وابداء ارائهم المشتركة ولقد يتمادى الكاتب المذكور حين يحاول تعريف هذا القطاع الثالث قائلا انه كل المنظمات أو المؤسسات الاجتماعية التي تتواجد في المساحة أو الحيز الذي يفصل بين اهم مؤسستين في حياة الفرد كل فرد: مؤسسة الاسرة ومؤسسة الدولة في هذا الحيز تقوم وتنشط، أو ينبغي ان تنشط مؤسسات المجتمع المدني التي توصف احيانا ـ كما لا يخفى عليك ـ بانها المنتظمات الاهلية أو المنظمات غير الحكومية التي مابرحت تناضل من أجل الاعتراف بدورها احيانا بمجرد وجودها سواء على صعيد فرادي الدول أو المجتمعات أو على صعيد المنظومة الدولية التي تجسدها الأمم المتحدة.المهم ان مراصد التنبؤ لدى مؤسسة الايكونوميست تقول بان عام 2002 سوف يشهد تناميا وربما تأكيدا لدور مؤسسات المجتمع المدني في رسم وتشكيل السياسات وان كان الكاتب جون جريموند يصف هذه المنظمات غير الحكومية بصورة لا تخفى السخرية، حين يقول: ـ انها تلك المنظمات التي تدعو احيانا الى الاعجاب بقدر ماتثيره احيانا اخرى من الجنون لانها في كل حال ندبت نفسها ولم يقم بتعيينها احد ولا قام بتكليفها أحد ولكنها تقوم على ممارسة فنون السياسة وتعاطي الشئون العامة في مجتمعاتها دون ان تكون مسئولة عن افعالها امام أي طرف كان وكأنما صار عملها هو التنافس ومحاولة كسب الاصوات في الانتخابات التي تخوض غمارها. ضرورات الفرز والتدقيق بصرف النظر عن هذه النظرة التي تجمع في تصورنا بين السخر والتشاؤم فمازلنا نتصور مع الايكويوميست ان منظمات المجتمع المدني مؤسسات العمل الاهلي لها دور مهم ينبغي ان تضطلع به في اطار من التوافق أو التفاعل مع الانظمة والحكومات وهو مايوسع دائرة المشاركة الديمقراطية في التعاطي مع قضايا الشأن العام. ومع ذلك فنحن من موقفنا القوي ندعو مثقفي الوطن العربي الى ممارسة مانسميه عملية فرز وتمحيص دائمة لمؤسسات المجتمع المدني فليست كل مؤسسة اهلية مفيدة في اعمالها ولا ايجابية في توجهاتها. وينبغي ان يكون فيصل هذا الفرز هو مقدار ماتقوم به مؤسسة المجتمع المدني من جهود في نشر القيم الايجابية للتسام والتفاهم وبناء الارضيات المشتركة على اساس من التفاهم والتراضي بين البشر على اختلاف الاوطان والاديان والتوجهات السياسية والمذاهب الفكرية.الا ترى مثلا الى قارعة سبتمبر الماضي وقد جاءت في أمريكا لتكشف عن أن من مؤسسات هذا المجتمع المدني ما اسفر عن وجه قبيح حيث روجت لدعوات التعصب والتميز الى حد المضايقة بل والملاحقة بحق العرب والمسلمين؟ ـ كاتب سياسي من مصر