ترى ما الذي تغير في علاقات الثقافة العربية منذ أن أصدر طه حسين كتابه (مستقبل الثقافة في مصر)؟ لقد ظلت شروطه الأربعة لثقافة المستقبل ـ الإنسانية والعقلانية والحرية والعدالة ـ شروطا أكثر لزوما في أوضاعنا التي دخلنا بها القرن الحادي والعشرين. لكن هذه الشروط لا تمنعنا من الاضافة اليها من منظور زمننا الذي يختلف عن الزمن الذي أصدر فيه طه حسين كتابه سنة 1938. هذا الاختلاف في الزمن هو مدخلنا الذي نزيد به مشروع المستقبل الذي تصوره طه حسين، وذلك على النحو التالي: أولا: ان كتابه أكد تفرد مصر بوضع المركز وانزل غيرها من الاقطار العربية في موقع الأطراف وقد تغير هذا الوضع. ثانيا: كانت أوروبا التي انتمت اليها مصر ثقافيا هي مركز العالم وبقية الأطراف، وذلك بالقدر الذي كان يطلق عليهم العقاد وأمثاله اسم (اللاتين) وقد اختلف الوضع الحالي عن ذلك، خصوصا بعد أن دخلنا مرحلة الاستقطاب بين القطبين الكبيرين، وخرجنا منها الى عالم القطب الواحد في عصر العولمة الأمريكية. ثالثا: كان التعليم في المدرسة والجامعة هو المركز الفاعل في الثقافة وبقية مجالات التثقيف وعلاقات انتاجها بمثابة الأطراف. الآن دخلت وسائط كثيرة، تبدأ بالتلفزيون ولا تنتهي مع الانترنت. رابعا: كان (الكتاب) هو المركز بالقياس الى غيرها من أدوات الثقافة. وقد أصبحت للأدوات السمعية والبصرية الأولية التي انزلت الكتاب عن عرضه القديم. ويعني ذلك أولا، أن بنية المركز والهوامش قد تحولت في الثقافة العربية المعاصرة، فانتقلنا من صيغة القلب والأطراف، أو صيغة المنتج الواحد والمستهلكين المتعددين الى صيغة العناصر المتفاعلة، المتكافئة، المتصارعة أحيانا، المتحاورة. وكما تعددت المراكز الثقافية العربية تعددت قوى الانتاج في توزيعها الجغرافي الذي لم يعد محصورا في قطر واحد بعينه. وكانت النتيجة اننا اصبحنا نتحدث عن مستقبل الثقافة العربية في كل الاقطار العربية التي تتبادل الفاعلية والتأثير. وأصبحت المشكلات الثقافية قومية بقدر ما هي قطرية، واقليمية بقدر ما هي عالمية. ويعني ذلك، ثانيا، ان نزعة المركزية الأوروبية التي كانت مهيمنة على كتاب طه حسين، أصبحت من ميراث الماضي، فظهر البعد القومي متكافئ الأطراف للثقافة العربية المعاصرة، وظهر معنى جديد لدلالة الاستقلال الثقافي من منظور علاقات الحوار بين الثقافة القومية من ناحية، وثقافات العالم الثالث المؤثر في المشهد العالمي بعد ثوراته التحريرية من ناحية ثانية. وفي الوقت نفسه، من المنظور العالمي، وبعد ان تداعى الاستقطاب التقليدي بين عالمي الرأسمالية والشيوعية، ظهرت النزعة العالمية أو الكونية، القائمة على الاعتماد المتبادل بين الشعوب لمواجهة سطوة نظام عالمي جديد، واحد ووحيد. ولم يعد مستقبل الثقافة القومية، ثالثا، محصورا في التعليم رغم اهميته أو مقصوراً على مشكلة الكتاب رغم تصاعد دوره وتنوع وسائل تيسيره واشاعته، وانما اصبح المستقبل أفقا من الامكانات المتعددة التي يتعدد فيها شكل الكتاب ما بين المقروء والمسموع والمشاهد، وتتعدد وسائط التثقيف التي وصلت الى درجة هائلة من الانتشار الاعلامي الجماهيري بواسطة التلفزيون على وجه الخصوص وظهر الدور المتصاعد للمواقع الثقافية على الانترنت وللانترنت نفسه. وكانت نتيجة التعقد اللافت في علاقات العمل الثقافي وأدوات انتاجه ان اتسع معنى التثقيف العام ليشمل جهود وزارات: التعليم، والثقافة والاعلام، والشباب، والعمل، والأوقاف، والاتصالات. وغيرها. وتتناغم في هذه الجهود أدوار المؤسسات الحكومية والتنظيمات الاهلية، بالقدر الذي تتشابك وتتقاطع فيه مصالح متعددة من الداخل والخارج، تستعين بأحدث منجزات علوم الاتصال وأكثرها ثورية تثويرا. هذا الوضع المختلف لا تكتمل صورته المعقدة الا باضافة مجموعة موازية من المتغيرات الحاسمة التي لابد من وضعها في الاعتبار، الى جانب المتغيرات السابقة، عند صياغة استراتيجية ثقافة خاصة بالمستقبل فهناك، أولا، مايفرضه على ثقافتنا الايقاع المذهل من التقدم العالمي الذي يتضاعف كل يوم، وهو ايقاع دفع الى الامام اسئلة لم نعهدها من قبل، ومشكلات تتعلق بأدوات انتاج الثقافة في عالم تحول الى قرية كونية صغيرة بالفعل، قرية لا حدود لمستقبل تثوير تكنولوجيا الاتصالات فيها. ولم يعد المشكل في هذا العالم يقتصر على المساحة المتزايدة من الزمن الذي انتزعه التلفزيون من الكتاب، واعاد فيه ترتيب علاقات المشاهدة، بل علاقات الاسرة خاصة بعد انتشار الاقمار الصناعية والفضائية العديدة المتنافسة، بل أصبح المشكل يجاوز ذلك الى الأدوار الجديدة التي تقوم بها أدوات اتصال واعدة بتقنياتها العالية وتكنولوجيتها المتقدمة. وهناك، ثانيا، التعددية التي يشهدها العالم بسبب تباين المراكز الاقتصادية العالية التي تحولت الى مراكز ثقافية متكافئة، تستبدل بالاستقطاب الثنائي القديم التعددية الواعدة التي يتجاور فيها الشرق والغرب، الشمال والجنوب، وتبرز فيها الأدوار الأوروبية الى جانب الأدوار الأسيوية، ضمن سياق مختلف من توزيع الأدوار في ثقافات العالم التي أصبحت ساعية الى تأكيد التنوع الخلاق وفي سياق هذا التوزيع الجديد للأدوار، يبرز الاستقطاب الجيد الذي نشهد بداياته في العالم، ليس بين الشيوعية والرأسمالية فذلك استقطاب عفا عليه الزمن، وذهب بالكثير من الأحلام والكوابيس، وانما الاستقطاب الطالع بين النزعة الكونية الإنسانية للتنوع البشري الخلاق والنظام العالمي الجديد الذي تحاول الولايات الأمريكية المتحدة فرضه بوسائل متعددة من أشكال الهيمنة. وتقوم النزعة الكونية Universalism على أسلوب جديد من التفكير الذي يتعقل الكون في شموله، ويرد أجزاءه الى هذه الشمول، مؤسسا رؤية إنسانية مفتوحة على كل الاجناس والأفكار، في علاقات متكافئة الأطراف، تزيح عن الإنسان عبء اغترابه في الكون. ويلزم عن هذه النزعة ما اصبح يطلق عليه اسم الاعتماد المتبادل Interdependece. وهو مفهوم يناقض التبعية، ويضيف معنى جديدا للاستقلال، ويؤسس ضرورة التعاون بين الأمم والأقطار لمواجهة المشكلات العالمية الكبرى التي لا يقدر عليها قطر بعينه أو دولة بمفردها، انطلاقا من تعقد المشكلات العالمية واتصالها بمصائر الأمم كلها، فالارهاب العالمي لم يعد يميز بين دولة وأخرى، ومخاطره سرعان ماأصابت باضرارها الدول التي حسبت نفسها بعيدة عنه، ومشكلات البيئة وصلت الى درجة من التعقد والتشابك الذي لم يعد في استطاعة دولة واحدة أو حتى قارة واحدة مواجهتها. وليس ذلك سوى مجرد مثال يؤكد أهمية التعاون العالمي، في ظل التسليم بمبدأ التنوع الخلاق الذي لابد أن تنهض عليه العلاقات بين الأمم والشعوب، وفي مواجهة الاخطار والتحديات المشتركة. وهناك، ثالثا، مارأيناه في أوطاننا العربية من تصاعد نزعات التعصب والتطرف، وتزايد عمليات الارهاب التي تتمسح بالدين، وارتفاع درجة العنف الذي صاحب الدعوة الى الدولة الدينية، أو صاحب الاتجاهات التقليدية الجامدة التي تصل التحديث ببدعة الضلالة المفضية الى النار. هكذا، رأينا الاعتداء على المواطنين الابرياء، ورموز السلطة المدنية، وتهديد المثقفين المستنيرين بكل وسيلة ممكنة، بل استخدام تسامح الدولة المدنية للانقلاب عليها، ومحاولة استغلال بعض ثغرات القانون المدني لتدمير القيم المدنية للدولة الحديثة والقضاء عليها نهائيا لصالح نزعات التعصب والتطرف التي تبشر بمجيء الدولة الدينية. وحالات وقوف الأدباء والمفكرين والمبدعين في قفص الاتهام وصدور أحكام قضائية ضد بعضهم، حالات ولا تزال مخاطرها قائمة. وأضيف الى ذلك تحول الارهاب الديني من ارهاب محلي الى ارهاب دولي. وذلك في سياق متصاعد وصل الى ذروته في أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وهي الأحداث التي فرضت أوضاعا جديدة تماما، وجعلت العالم كله يرى أبشع وجه للارهاب.