لا شك ان كلمة «انوثة» من أحب الكلمات وأروع الصفات التي تصيب قلب المرأة بفيض من الغبطة والسعادة حين تسمعها. ولا يمكن ان نتوقع ان تسامح المرأة أي انسان يحاول التقليل من انوثتها، او يبخسها قدرها في مخمل هذه الكلمة. لكن المشكلة تكمن في أن الكثيرين من الرجال والنساء ايضا يحصرون الانوثة في الشكل الخارجي فقط، وكأنهم بذلك يخلطون بين الانوثة والجمال.. فليست كل امرأة جميلة مترعة بالانوثة، والا ما كنا سمعنا عما يسمى بالجمال البارد. ولو نظرنا الى عالم الرجال، قياساً على ما سبق، سنجد ان معظم الناس لا يفرقون بين الرجولة والفحولة، فالأولى طبع يزين سجايا الرجال ويرفع من قدرهم الاخلاقي، والثانية تتعلق بالاداء الجسدي. ومع خروج المرأة الى العمل، وانفكاكها من ربقة عصر الحريم، اضافة الى اقتحامها لكافة مجالات التعليم والثقافة والابداع والسياسة، برزت انوثة من نوع جديد لم يألفها الرجال من قبل، وهي «انوثة العقل» حيث تفوح رائحة الذهن المعطر بالوعي والذكاء والادراك.. لذلك كان لزاماً علينا ان نفرح لتأنيث العقل، بعد أن حشرت انوثة المرأة، لقرون عديدة، في خانة الوجه والجسد والصوت وأشياء اخرى (!)، وهو الخطأ الذي وقع فيه رجل بحجم جان بول سارتر، ففي احد الحوارات التي اجراها معه بيير بينيشو، يقول انه يفضل الحديث مع النساء أكثر من الرجال، خاصة اذا كن لا يتحدثن في السياسة او الثقافة، وانه نادم على وقوفه الى جانب فكر تحرير المرأة، لأن المرأة اذا تحررت فسوف تتكلم في السياسة، ومشاكل وظيفتها، واشياء لا معنى لها، فتفقد انوثتها وتتشبه بالرجال المقيتين. ولا ندري لماذا ربط «سارتر» متعة الحديث مع النساء بعدم كلامهن في السياسة والثقافة؟!.. انه سؤال يحتمل أكثر من اجابة، منها ان سارتر ربما اصابه الضجر والملل من الثقافة والمثقفين، والسياسة والسياسين، خاصة، بعد ثورة الشباب عام 1968، وانتاب فكره اللاجدوى، واللامعنى، ليكتشف ان الوعي بالحياة، والاحتفاء بها يتأتى من صميم الناس والحياة نفسها، والدليل على ذلك ما قاله في نفس الحوار من أنه تخلى عن ربطة العنق، والياقة البيضاء، وانه من الافضل ان ينغمس بشخصه وسط الناس في الشوارع والمقاهي، ويجلس مع النساء غير المثقفات او المسيسات، كوجه من وجوه التمتع بالحياة المجانية، فهل اشتهى «سارتر» العودة الى ذكورية الرجل؟ والاحتمال الثاني، في زعمنا، هو أن سيمون دي بفوار، صديقته الشهيرة قد اتعبته وارهقته بالتنظير في مشاكل الوعي والحرية، وغير ذلك من الامور الفكرية التي نعرفها جميعا عن طروحاتها. لذلك نقول اذا كان من حق هذا المفكر الكبير ان يتراجع عن قناعاته لصالح حياته السبعينية، ولأسباب تخصه، فانه من حقنا ان نطالب بوجود المرأة المثقفة والمسيسة، بعد أن اثبتت «بعض» التجارب فشل الرجال في هذا المجال أو ذاك.. من حقنا ان نستمتع بالانوثة العقلية للمرأة، بعد ان اتخمنا بالجمال الفارغ، واكتظت ابصارنا بوجوه وأجساد نالت من «المكياج» والتطريز أكثر مما حازت من ذكاء الكلام ورشاقة الفكر.. اسألوا قنواتنا الفضائية!!