يبدو ان النزاع الاسرائيلي الفلسطيني مصاب هو الآخر بفيروس الايدز، فقد اعيا كل من حاول مداواته، اعيا الوسطاء الاوروبيين والامريكيين وربما بعض العرب وفي حالة الايدز فإن الفيروس يتخذ في كل مرة هيئة جديدة مما يعقد امكانية تتبعه والقضاء عليه. وكلما اعتقد الاطباء انهم توصلوا الى بداية علاج للايدز، فاجأهم الفيروس في حلة جديدة وراح يهزأ بهم ويواصل فتكه بالاجساد الآدمية، ولا يختلف امر فيروس الايدز كثيراً عن ذلك النزاع.ان العلة الاساسية كما يعرفها الجميع هي استمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1967، لكن المشكلة هي كيفية اجبار اسرائيل او اقناعها بالانسحاب من هذه الاراضي؟ فلسفتان متعارضتان توجد فلسفتان في هذا الصدد الاولى تقول بضرورة اعتماد مبدأ المقاومة المسلحة والاستنزاف المستمر للاسرائيليين لجعل كلفة احتلالهم اعلى من الفوائد المتأتية من هذا الاحتلال، في حين تفضل الثانية اعتماد مبدأ التسوية السلمية لاقناع الاسرائيليين بجدوى الاتفاق على انسحابهم من الاراضي المحتلة وتشكيل دولة فلسطينية مقابل الاعتراف النهائي بالدولة العبرية والعيش الى جوارها بسلام. الواقع ان كلا الفلسفتين اختبرتا او جربتا حتى الآن، وان بتفاوت في الزخم والفرص، لكن كلتيهما آثارتا عدداً كبيرا من الاشكاليات والجدل. وقد وجدت هذه الاشكاليات بالذات، اكثر ما وجدت، طريقها الى الانفجار في وجه السلطة الفلسطينية فهذه السلطة كما هو معروف هي نتاج عملية التسوية التي ابرمت في عام 1993 في اوسلو، فيما عرف باتفاقات اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية التي كان يقودها وقتذاك اسحق رابين، ورغم ان هذه الاتفاقات قد نفذ جزء منها فقط، في حين بقى اغلبها من دون تنفيذ، وبالتحديد الجزء المتعلق بالقضايا الجوهرية مثل الحدود النهائية للدولة الفلسطينية والمياه واللاجئين والقدس، إلا انها اوجدت مع ذلك واقعا على الارض يتمثل في قيام سلطة فلسطينية بمؤسسات واجهزة امن وشرطة وبعض مظاهر السيادة الاخرى. وهذا الواقع الذي يمكن تشبيهه بخروج رأس الجنين من بطن امه وبقاء باقي اجزاءه في الظلام، بات حقيقة مسلم بها من الاصدقاء كما الاعداء، وباتت معها السلطة الفلسطينية هي الجهة الاساسية الموجهة لنشاط الفلسطينيين، الدبلوماسي والسياسي والمسلح، بعد ان توارت منظمة التحرير الفلسطينية او ابعدت الى الظل. لكن المشكلة تكمن هنا بالذات، فالسلطة الفلسطينية التي تدين بوجودها على الارض لاتفاقات اوسلو وليس لشيء آخر، تجد نفسها في حالة تجاذب بين التصرف كسلطة مسئولة عن ادارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وبين العودة الى انتهاج سلوك المنظمة التي تقاتل من اجل تحرير ارضها. ويزداد هذا التجاذب حدة مع تعثر عملية التفاوض السياسي او جموده، وقد اضاف رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون حالة جيدة الى ذلك التعثر، وهي الحالة الموصوفة بالتصعيد العسكري التدريجي ولكن المحسوب ضد المؤسسات الفلسطينية التي انشأتها السلطة. السلطة ام المنظمة؟ ان شارون يريد اعادة السلطة الفلسطينية الى حالة المنظمة المقاتلة، في حين هي تريد تثبيت وضعها وتطويره باتجاه الحكومة التي تدير الدولة المستقلة المالكة لسيادتها على الارض والجو والبحر، والسؤال هو كيف تتمكن السلطة الفلسطينية من المحافظة على نفسها وتتفادى الانزلاق والعودة الى وضعية الميليشيا؟ ان هذا التجاذب الذي تغذيه باستمرار حالة العنف الشديدة التي تميز العلاقة بين اسرائيل والفلسطينيين، منذ مجييء شارون للحكم يعتبر التحدي الابرز الذي سيواجه السلطة الفلسطينية. ويمكن القول ان هذه السلطة التي تعيش في محيط معاد لها، حيث تريد الحكومة الاسرائيلية القضاء عليها، وكذلك الجماعات الفلسطينية المسلحة، لم تنعم سوى بفترة انتعاش نسبي هي الاشهر الـ 30 تقريبا التي تلت توقيع اتفاق اوسلو، وحتى انتخاب زعيم الليكود السابق بنيامين نتانياهو رئيسا للحكومة في اسرائيل عام 1996 وهي الفترة نفسها التي تمكنت فيها من بناء ما يسعى شارون اليوم لتدميره. واعتقد ان الانهاك المتواصل الذي مورس ضد السلطة الفلسطينية «سواء من جانب اسرائيل» او من جانب حركتي حماس والجهاد الاسلامي، ربما كان اكبر من طاقتها على التحمل ولذلك وجدنا انه خلال الانتفاضة الفلسطينية راحت عناصر تنتمي الى حركة فتح والاجهزة الامنية الفلسطينية تشترك على نحو متزايد في هذه الانتفاضة. وكان مسئولو السلطة الفلسطينية «وربما لايزال بعضهم حتى الآن» يفاخرون بأن افراد الامن الفلسطيني وتنظيمات فتح هي التي تساهم في القسط الاكبر من الانتفاضة سواء عبر العمليات المسلحة ضد الاسرائيليين او عبر تنظيم اشكال الاحتجاج الاخرى. اكثر من ذلك اتضح خلال الفترات الماضية ان بعض هؤلاء «لاسيما المنضوين تحت تنظيم كتائب الاقصى المسلحة التابعة لفتح» لم يكونوا راضين تماما عن الاعلانات المذكورة لوقف اطلاق النار التي دأب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على اطلاقها كلما تأزم الموقف مع اسرائيل، ويمكن للمرء ان يخمن بأن ضغط اسرائيل المتزايد باتجاه انهيار السلطة الفلسطينية سوف يصاحبه انتقال اعداد اكبر من تنظيماته الى خانة الكفاح المسلح. واعتقد ان المحاولات التي يبذلها عرفات والقيادة الفلسطينية حاليا لمغالبة اتجاه الموجة السائدة، والعودة الى طاولة المفاوضات هي في جانب كبير منها محاولة لمنع تحول السلطة الفلسطينية من جديد الى مجرد تنظيم عسكري على غرار حركة حماس او الجهاد. فإلى اي مدى يمكنها النجاح في ذلك؟ الوقت ينفد للاسف يظهر ان جميع الظروف المحيطة بالسلطة الفلسطينية غير مشجعة، فأولا يبدو ان حكومة اسرائيل مستفيدة من العمليات الانتحارية وتلك المسلحة التي تشن ضد مواطنيها قد اتخذت قراراً بالقضاء على سلطة الحكم الذاتي وتقويض كل ما بنته في السنوات الماضية وما فترات الهدوء التي تسبق القصف الاسرائيلي وتدمير المنازل والمنشآت الفلسطينية سوى مراجعة يقوم بها مجلس الوزراء الامني الاسرائيلي المصغر «مطبخ القرارات» لتقرير الخطوة المقبلة. وفي المقابل فإن السلطة الفلسطينية نفسها وبفعل حالة الاحباط والانهاك الكبيرة التي تسود صفوفها، غير قادرة على انتاج خطاب سياسي يتمتع بالمصداقية، وتجهد السلطة في اتخاذ القرارات وضرب الالتزامات والتعهدات على نفسها، ثم يأتي من يقوض هذه القرارات والتعهدات بعملية مسلحة. اما العالم الخارجي وتحديداً الولايات المتحدة وأوروبا فهم يراقبون الوضع وهو يخرج من نطاق السيطرة، لكني اشك انهم قادرون على فهم ما يجري أو فعل اي شيء حياله، وستبدو الآمال التي يعقدها البعض على تدخل الاوروبيين او الامريكيين مثل السراب، والسبب ان روح الانتحار السياسي في الجانبين هي الغالبة حتى الآن وهي تتعزز كل يوم مع وقوع المزيد من القتلى والاضرار المادية التي بلغت في الجانب الفلسطيني بالمناسبة حداً لا يطاق. ان اكثر ما يخشى هو ان يكون الوقت قد فات فعلا على تدارك الكارثة المحدقة، ولذلك من المهم ان يسارع الجانبان الى اتخاذ خطوات عملية. من المهم ان تقلع اسرائيل عن سياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين والبحث في انهاء احتلالها «الذي هو آخر احتلال في العالم» للاراضي الفلسطينية، ومن المهم ان تعمل السلطة الفلسطينية على استعادة زمام المبادرة من ايدي الجماعات والحركات المسلحة، واثبات انها قادرة فعلا على السيطرة على الاراضي والواقعة تحت ادارتها فلا يمكنها ان تنتظر شيئا من شارون، كما لن ينفعها في شيء لومه او القول بأنه يتعمد اضعافها وقصقصة اجنحتها ما يحول دون قدرتها على الحركة، فهذا هو ما يريده فعلا. ـ كاتب بحريني