في الأربعاء الماضي عَرَضتُ لصاحب البحر «بوحميد» ذلك «الشيخ» الاماراتي الذي عاش في البحر وعلى شاطئه حتى كانت بينه وبين البحر صحبة عُراها لا تَنْفَصم حتى يُفَرق بينهما الذي طالما فَرقَ بين الأحباب والأصحاب. ولطول ما صاحب «بوحميد» البحر صار بينهما حديث دائم لا يسمعه غيرهما، فلطالما قال بوحميد لصاحبه البحر ما لا يقوله إلاّ له وذلك لصفات للبحر هي ليست لسواه من الخَلْق. انه البحر كاتم أسرار الخليقة التي مرت به فهل سمعت عن بحر حدثك عن أسرار من سبقَكَ وفضح من استأمنه على سره كما يفعل بعض الناس؟ في الحقيقة ان البحر لا يفعل ذلك ولكن أصحاب البحر الذين فازوا بصحبته ومِن أولئك «بوحميد» الذي قال له البحر ما لا يقوله الا لأمثاله. أتذكر يا بوحميد أهل زمانكم كانوا نساء ورجالا واطفالا ليسوا كأهل هذا الزمان. الرجال كانوا رجالا بحق لم أشهدهم في حياتي يجلسون على شاطئ هكذا بغير عمل كانوا لا يجدون وقتا للحديث الذي لا فائدة من ورائه فما بالي أرى اليوم رجالا هم يشبهون الأوائل في ملامحهم ولكنني أرى منهم رجالا يبيتون الليل الطويل على الشواطئ يأكلون ويشربون حتى اذا شربوا تصايحوا وتشاتموا وتقاذفوا بعلب لها ألوان مختلفة لا أظنها الا مليئة بما يذهب بالعقول فينقلب بفعلها الاصدقاء اعداء. ورأيت نساء لم أعرف في زمانكم مثلهن، نساء كن الحشمة بعينها في لباسهن وحركاتهن وسكناتهن اما النساء اللواتي اراهن على شاطئ هذه الايام فانهن غير نسائكم اللواتي عرفت، انني أرى نساء لا يحلو لهن ان يخلعن ثيابهن إلا أمام عيني. فيرد عليه «بوحميد» لا تلمهن يا بحر انهن آتيات من بلاد لا تعرف الشمس، انّهُنَ يبحثن عن الدفء على شاطئك الجميل. قال البحر فما بال صبيان هذا الزمان ما عدت اراهم كما كنت ارى صبيان ذلك الزمان في حضن أمواجي، كانوا رجالاً صغاراً يبشرون برجالٍ سيكون لهم شأن في أعماقي فما لي لا أرى هؤلاء كما كنت أرى صبيانكم. قال بوحميد صبيان هذا الزمان غير صبيان زماننا، هؤلاء لهم ما يشغلهم بل أرجو أن يسلموا منه في هذا الزمان من فتن تشغل عليهم دنياهم وارجو ألا تضيع منهم أُخراهم فلا تلمهم يا بحر. قال البحر فما بالي كنت أراكم تسكنون على ساحلي بيوتكم الصغيرة الطينية التي طالما دخلتها عليكم وأنتم صابرون راضون حتى بغضبي، أين ذهبتم لماذا تَبَدل الناس في بيوتكم لماذا أسكنتم فيها من لا يعرفني ولا أعرفه كِدْت أنسى العربية التي تعلمتها منكم على أيدي هؤلاء. قال بوحميد ما عادت تلك البيوت تصلح لهذا الزمان فتركناها لغرباء يَحفظونها من السقوط حتى نبنيها بنايات شاهقات. قال البحر وهل ستَسْكنون انتم تلك البنايات الشاهقات وتعودون إلى ساحلي. قال «بوحميد» لا طبعا نحن لنا بيوتنا البعيدة عن شاطئك أما البنايات فَسَنَملؤُها بمن يدفع لنا أكثر. قال البحر أسمعت يا بوحميد عن قصةِ ذلك القط الذي مات وهو يلعق دمه قال بوحميد وكيف ذلك؟. قال البحر حدثني جدي المحيط أن قطاً كان يعيش في جوار حدادٍ يرمي له كل يوم بالزائد من طعامه وذات يوم رمى الحدْاد «حديدة» قديمة كان «يَحد» بها شفرة السكين والأدوات التي يصنعها فحسب القط تلك الحديدة قطعة طعام فذهب يلعق «المِسْحَل» بلسانه فَجُرِحَ لسانه فأعجبه طعم دمه السائل على الحديدة فأخذ يلعق دمه حتى مات، الا تجد يا بوحميد بينكم وبين ذلك القط شبهاً، قال بوحميد «ربما».