«اللوبي» مصطلح سياسي متخصص شاع في الخطاب العام حتى كاد يكون كلمة دارجة، ومعناه في عالم السياسة «جماعة ضغط » ويعد اللوبي سمة من سمات الديمقراطية الأمريكية التي توصف في الأدبيات السياسية بأنها ديمقراطية جماعات الضغط حيث لا تقل جماعات الضغط أهمية عن الأحزاب بل قد تفوقها أهمية والتدافع السياسي الحقيقي في الولايات المتحدة هو بين جماعات الضغط العديدة. أما الحزبان السياسيان الأمريكيان الكبيران (الديمقراطي والجمهوري) فهما مدرستان لتخريج رجال قادرين على ممارسة الحكم وتجربة التداول بينهما تشير بقوة إلى اقتراب برنامج كل منهما من الآخر، حتى صار الحديث عن زوال الفروق بينهما حديثا مكررا في السنوات الأخيرة، وهو ما عكسته بقوة أزمة انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة التي خاضها الناخب الأمريكي مكبلا بالحيرة الشديدة، فجاءت على النحو الذي تابعه العالم. ولكون الحزبين الكبيرين لا يعبران ـ في حقيقة الأمر ـ عن تعددية سياسية تحكمها الاختلافات النظرية التقليدية ـ حتى حسب التصنيفات الراسخة في علم السياسة الغربي المدرسية ـ يمين ـ يسار ـ وسط، فإن التعددية الحقيقية في السياسة الأمريكية هي تعددية مصالح تعبر عنها جماعات الضغط ولكثرة ترديد كلمة اللوبي مضافة إليها صفة «الصهيوني» يعتقد كثيرون أنه جماعة الضغط الوحيدة على ساحة السياسة الأمريكية ، رغم أن هناك جماعات ضغط تمثل مصالح العديد من الفئات (لوبي البطاطس ـ لوبي تجارة الأسلحة ـ وهكذا). أما مسمى «اللوبي الصهيوني» فينطبق على عدد ضخم من المؤسسات تستعين بأعداد كبيرة جدا من المتطوعين والمتفرغين وتنفق مئات الملايين من الدولارات سنويا وتستخدم مئات الوسائل - المشروعة وغير المشروعة على السواء ـ للتأثير في صانع القرار ، أي أن هذا اللوبي الصهيوني يصنع قدرته على التأثير من خلال جهود كبيرة لا من خلال مؤامرة غامضة تدور سرا في غرف مظلمة وغني عن القول تأكيد أن أهدافه رغم هذا الجهد تظل أهدافا غير مشروعة المفارقة الأكثر إثارة ، وهي مفارقة لا يعرفها الكثيرون أن «لوبي البطاطس» مثلا في الولايات المتحدة لا يقل حجما ولا تأثيرا عن اللوبي الصهيوني. و تعبير «اللوبي الصهيوني» تجاوز مرحلة الانتشار الواسع في كل شرائح المجتمع العربي ليتحول من كلمة شائعة إلى «صيغة سحرية» قادرة على تفسير كل شئ والولايات المتحدة الأمريكية ـ وفق هذه الصيغة السحرية ـ ليست سوى فيل ضخم (ولا بأس أن نضيف أنه غبي) يتحكم فيه تماما هذا الفأر الصهيوني (ولا بأس أن نضيف أنه عبقري) وبهذا التبسيط المريح نصبح أمام عدو لا يمكن أن يقهر ، فمن العبث أن نتصور أن قوة في العالم العربي ـ رسمية كانت أم شعبية ـ يمكن أن تهزم هذا اللوبي الخارق . وضمنا تستحق الولايات المتحدة نفسها أن نعتبرها «مسكينة»، فهذا اللوبي الجهنمي لم يترك لها حرية أن تختار ، فهي مخترقة مستلبة، مجرد ضحية تحتاج من ينقذها، وكما يقولون «فاقد الشيء لا يعطيه» وبالتالي لا معقولية لأن يتوجه أحد إلى الضحية مطالبا إياها بأن تنقذ ضحية أخرى هي فلسطين!! وبالسهولة نفسها التي ننطق بها كلمة لوبي نتجرع هذا التفسير البسيط بساطة الانتحار، فهذا اللوبي الخارق مسيطر على كل المفاتيح وما تؤدي إليه هذه القناعة من نتائج على المستوى العربي لا يقل خطورة ، فوفقا لهذا المنطق في التفكير والتفسير يكون ما وصل إليه حال المنطقة العربية على كل المستويات نتيجة مباشرة لإحدى مقدمتين: الأولى: أن واقع الفقر والتخلف فرضه علينا الغرب نتيجة سيطرة اللوبي الصهيوني عليه وتقع مسئوليته على القوى الاستعمارية وحدها، ومن ثم فهو وضع لم تشارك في الوصول إليه سياسات رسمية عربية فاشلة وثقافات بررت القهر و الفساد وكل ما نحتاج إليه بناء على ما تقدم أن يتخلى الغرب عن تآمره علينا، وعندئذ نصبح، على الفور، أعظم أمم الأرض!! الثانية: أن الغرب اخترقنا حتى النخاع وسلم مقدراتنا للوبي الصهيوني، فإذا تخلصنا من هذا الاختراق أمكننا أن نصبح أعظم أمم الأرض!! ونحن حسب تصور الفريقين أعظم أمم الأرض، ولسنا أقل من ذلك بأي حال!! والتصور الأول غاضب صاخب يعبر عنه أصحابه في خطاب صدامي حاشد، والثاني تصور تبريري مذعن وهو غالبا هامس، فهو حديث الغرف المغلقة ينقله الثقاة إلى الثقاة سرا حتى لا يتسرب إلى اللوبي الصهيوني المتغلغل في كل شبر !!! وكلاهما للأسف الشديد لا يعبر عن حالة إنسانية سوية، فليس بإمكان أحد (ولا أمة) أن يكون حديثه همسا دائما أو صراخا غير منقطع. ومما يجافي المنطق والأمانة تصور أن هذا الكلام يعني التهوين من شأن اللوبي الصهيوني فهو بكل المعايير واحد من نماذج النجاح الكبيرة في تاريخ السياسة الأمريكية، لكن نجاحه ليس معجزة تترك الألسنة معقودة والعقول مشدوهة بل هو تجربة إنسانية يجري عليها ما يجري على كل شأن إنساني من القصور والنقص، ومن الطبيعي أن يكون بها ثغرات يمكن النفاذ منها ونقاط ضعف يمكن توجيه الهجوم إليها، وفي التقييم النهائي يمكن هزيمتها ولو على المدى البعيد. واختصار الغرب كله ـ أو حتى الولايات المتحدة ـ في اللوبي الصهيوني يبعدنا عن معركتنا الحقيقية في مواجهة عدونا الأكبر «لوبي العجز العربي» هذا الذي يسجن قدراتنا ويجعل القسم الأكبر من نتاجنا الثقافي والسياسي قصائد عصماء تتوزع على غرضين من أغراض الشعر العربي لا ثالث لهما: البكاء على الأطلال وهجاء الدهر، فالتغيير نحو الأفضل يعني مواجهة الذات بالقدر نفسه الذي يعني مواجهة الآخر، وهو ليس قرارا سياسيا فوقيا بل تغيير ثقافي اجتماعي عميق ينضج عبر مراحل ممتدة وهذا اللوبي وحده هو الذي يمكن أن يوصف بأنه القوة الأكبر في الواقع العربي، وهو يسيطر ـ لا على القرار السياسي وحسب ـ بل على الفعل العربي كله : السياسي، والثقافي، والاجتماعي على السواء.!! ـ كاتب مصري