بمناسبة يوم البطولة والفداء، يوم 25 يناير عام 1952، المعروف عند الشعب المصري بعيد الشرطة، وهو اليوم الذي مضى عليه نصف قرن بالتمام والكمال، ولعله من حسن حظي أو من سوء حظي لا أدري أنني كنت من شهود ذلك اليوم فقد اجتذبت انتفاضة الشعب المصري ضد عساكر المحتلين الانجليز عدداً من شباب الصحفيين والاعلامييين، أذكر منهم المرحوم الصحفي سعد التايه، والاذاعي اللامع أحمد سعيد مدير صوت العرب السابق، وكانت معركة القناة هي أول خطوة على طريق النجاح قبل أن يتولى مسئولية جهاز صوت العرب، وكان هناك أيضا الزميل مصطفى البرادعي المحرر بالأهرام، والأستاذ علي جمال الدين طاهر المحرر بالمصري، وكان هناك غير هؤلاء عدد من الزملاء أذكر منهم شفيق خالد، وجودت الحلواني، وكنت مقيما في السويس ولكن جاءتنا الأخبار عن تحرك قوات البرجادير إكسهام، قائد حامية الاسماعيلية بدباباته وجنوده لمحاصرة محافظة الاسماعيلية، وانطلقنا على الفور من السويس الى الاسماعيلية، وعندما وصلنا على مقربة من المحافظة كانت عساكر الجيش البريطاني تنبطح أرضا على النجيل الأخضر المحاذي لترعة الاسماعيلية والبعض الآخر ينبطح أرضا على الشريط الأخضر الذي يتوسط شارع السلطان حسين كامل وبأيديهم مدافع ورشاشات ثقيلة وكانوا في ملابس الميدان. والبريجادير إكسهام يعتلي ظهر مصفحة وهو بالمناسبة أحد ضباط الفيلد مارشال مونتجمري وساعده الأيمن في معركة العلمين، وكان منظرا لا يصدقه أحد، وجيش الامبراطورية ضد مجموعة من عساكر بلوكات النظام يحملون بنادق قديمة تنطلق مرة وتتعطل الماسورة عدة مرات، وكان إكسهام يمسك في يده بمكبر صوت، وكان يرسل الأوامر لجنوده. وكان مع الجيش الانجليزي موظف مصري يعمل في مهمة حراسة المعسكرات وتفتيش العمال المصريين، وكان يذيع نداءات على عساكر البوليس المصري طالبا منهم الاستسلام، وموضحا لهم خطورة الرفض، وكان يذيع هذه النداءات على فترات يفصل بينها عدة دقائق، وكان في كل مرة يطالبهم فيها بالتسليم يردون عليه بزخات من بنادقهم. عندما بدأ إطلاق النار بكثافة اضطررت الى دخول فندق المسافرين بشارع السلطان حسين كامل، وكان صاحب الفندق والسيدة حرمه اللذان تجاوزا مرحلة الشباب منذ زمن طويل، وهما من رعايا دولة اليونان قد اتخذا لهما مخبأ تحت مقعدين كبيرين في بهو الفندق فنصحاني بالاختفاء تحت مقعد ثالث، وقال لي الرجل العجوز إن المسافة بيننا وبين جنود الانجليز لا تتعدى أكثر من ثلاثين مترا، وهناك احتمال أن ينهمر الرصاص على رؤوسنا في أي لحظة، وترددت في تلبية النصيحة في البداية، ولكن بعد أن اشتدت النيران وجدت أن الاختباء تحت الكرسي أسلم وأكثر أمنا، وبقيت في موقعي حتى هدأ الرصاص وانتهى صوت اقتحام الدبابات لمبنى المحافظة وهرعت الى الشارع لأرى ماذا يحدث، وعندما وصلت الى المحافظة اكتشفت أن الجزء الشمالي قد تحول الى أنقاض، وكانت لحوم العساكر مختلطة بالحيطان والدماء كثيرة تلطخ الحجارة والأرصفة وأنين عساكر مازالت على قيد الحياة، ودخل المحافظة عدد من ضباط القوة الانجليزية وأحدهم كان يعلق على ذراعه شارة الصليب الأحمر، ثم جاءت قافلة سيارات ووقفت أمام المحافظة وبدأوا يخرجون الباقين على قيد الحياة من عساكر وقد فرغت بنادقهم من الرصاص وأخذوا يصعدون الى السيارات تحت حراسة مشددة، ثم جاءت سيارة ضخمة وبدأت في تحميل الجثث وانطلقت بأقصى سرعة في اتجاه المعسكر، ويبدو أن العساكر الذين ركبوا السيارات كانوا من الحرص لأن العساكر الذين لم يصابوا بجراح أثناء المعركة أخذوهم مشيا على الأقدام بعد أن أجبروهم على خلع ملابسهم العسكرية. وفي اليوم التالي قمت بزيارة للعساكر الأسرى عبر الأسلاك الشائكة في المعسكر الذي خصص لهم، كانوا جميعا في شدة الضيق من الأسر وكانوا يسألون متى يخرجون من هذا المكان ليستأنفوا القتال ضد العساكر الانجليز الذين يحتلون البلد، ولم يكن هذا الموقف وقفاً على هؤلاء العساكر في الاسماعيلية، سبق أن رأيت مذبحة أخرى وقعت في السويس مات فيها أكثر من مائة جندي برصاص الانجليز في معركة الهويس بالأربعين وأصل الحكاية أن إحدى المصفحات وكان يستقلها كولونيل انجليزي شهير يدعى جونسون على ما أتذكر أراد أن يعبر الكوبري لكن عسكري البوليس الذي يحرس الكوبري رفض السماح له بالعبور وأمره بالعودة، ولما أصر على عبور الهويس أطلق عليه الجندي رصاصة واحدة أردته قتيلا في الحال، وكان هذا الكولونيل يتولى قيادة الحامية البريطانية بالسويس ومن أشهر الضباط الانجليز في القاعدة كلها وكان له سجل حافل في الجيش الثامن الذي تولى الحرب ضد الألمان في الصحراء الغربية ولم تلبث المصفحة أن عادت بسرعة الى المعسكر وغابت فترة قصيرة ثم عادت وفي جوفها عدد من لابسي البرانيط الحمراء وهي فرقة انجليزية كانت تعسكر في منطقة القناة تحت اسم الشياطين الحمر وأطلقوا النار على الجندي حارس الهويس فقتلوه ثم نشبت معركة بينهم وبين قوات بلوكات النظام المنتشرين بالقرب من الهويس فقتلوا منهم حوالي مائة جندي، وكان كل جندي يسقط منهم قتيلا نقوم بحمله الى المستشفى الأميري على عربة كارو واستمرت عملية نقل الجنود القتلى الى ما قبل المغرب، ومات من البريطانيين أقل من عشرين جنديا، وكان بعضهم يحمل رتب ضباط من ملازم ثان حتى رتبة النقيب، لقد كان عساكر البوليس المصري هم أكثر فئات الشعب المصري دخولاً في معارك حامية ضد قوات الجيش الانجليزي، وكان أكثر الشهداء منهم. ويذكر أن الانذار البريطاني يوم هدم كفر أحمد عبده بالسويس ذكر أنهم سيطلقون النار فورا على أي جندي بوليس يظهر على مرمى البصر، كان البوليس هو عدوهم الأول، ثم يأتي بعدهم كتائب الفدائيين، وكان البوليس يمنع وصول المؤن الى المعسكرات كما كان يقف موقف المتفرج من زحف كتائب الفدائيين على مخازن الذخيرة والسلاح. لقد أدى رجال البوليس دورهم الوطني في معركة القناة جنبا الى جنب مع رجال المقاومة الشعبية التي تألفت من طلبة الجامعة والمدارس الثانوية وبعض العمال الذين تدفقوا على منطقة القناة بداية من العباسة والتل الكبير وحتى بورسعيد، وقد أصيب في المعركة ضباط كبار منهم الأميرالاي حسن رشدي أحد القادة في أمن بورسعيد، وأصيب ضابط اسمه الدالي بعدة رصاصات استقرت إحداها في قلبه ولكنها لم تقتله وقرر الأطباء تركها مكانها حتى لا تقتله محاولة اخراجها من مكانها وظلت الرصاصة مكانها حتى مات فجأة وهو لم يزل في ريعان الشباب. رحم الله جميع الشهداء وجازى الله كل أفراد الشرطة الذين استبسلوا في المعركة دفاعا عن الوطن وعن الناس وتحية من القلب لكل أفراد الشرطة في عيد الشرطة المجيد.