اذا كان التحرك الدبلوماسي الامريكي في عهد الادارات المتعاقبة يرسم على اساس الاستجابة الكاملة لأجندة «اللوبي» اليهودي داخل الولايات المتحدة، فما الذي يمنع من انشاء «لوبي» عربي أو إسلامي؟ لقد بات من مسلمات وبديهيات هذا العصر ان اسرائيل هي التي تملي على الادارات الامريكية ـ عبر اللوبي اليهودي النافذ ـ كيف تتوجه الولايات المتحدة صوب شئون واحداث منطقة الشرق الاوسط. ولذا فإن كل الجهد الدبلوماسي العربي والاسلامي لاقناع ادارة امريكية او اخرى بممارسة ضغط على الدولة الاسرائيلية، هو في الحقيقة جهد في الاتجاه الخاطيء، فالرئيس جورج بوش يدين في فوزه في الانتخابات الرئاسية وبقائه في البيت الابيض للوبي الصهيوني وما يمثل هذا اللوبي من نفوذ اقتصادي وثقافي واعلامي. واذا توافرت لمجموعة الدول العربية والاسلامية ادارة جماعية فاعلة تهدف الى احداث تغيير انقلابي في الموقف الامريكي التقليدي تجاه معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، فإن على هذه الدول ان تدرك أولا حقيقة الوجود النافذ للوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة وان تقر بهذه الحقيقة. ان الصورة الظاهرية للوبي اليهودي تتكون من جزأين: سيطرة داخل الكونجرس بمجلسيه «النواب والشيوخ» تجسدها اغلبية أعضاء من الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» هم اما من اصل يهودي او ممثلون لمصالح او اهداف مؤسسات يهودية، اما الجزء الثاني من الصورة الظاهرية فيتمثل في شخصيات تحتل مراكز عليا داخل البيت الابيض وتلتف حول الرئيس. ولكن هذه الصورة الظاهرية ليست في الحقيقة سوى رأس جبل الجليد. ذلك ان تحرك اعضاء الكونجرس والشخصيات النافذة في البيت الابيض يخضع لهيئة تقبع في الخلفية يطلق عليها «لجنة التعاون اليهودي الامريكي» التي بدورها تتخذ قراراتها وترسم خططها بتوجيهات من مجلس «الحركة الصهيونية العالمية». اما قاعدة هذا البناء الهرمي فتتجسد في مجموعة الشركات الكبرى العملاقة التي تفرض برؤس اموال يهودية سيطرة احتكارية على مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني الامريكي. من مجموعات البنوك الى شبكات البث التلفزيوني ودور النشر بشقيه الاعلامي والثقافي. ولكن بالرغم من هذه القوة اليهودية الاسطورية التي تفرض نفسها على مسار السياسة الدولية للولايات المتحدة، فإن للدول العربية والاسلامية مجتمعة من الموارد الاقتصادية والاستراتيجية ما يمكنها من انشاء «لوبي» مضاد داخل الولايات المتحدة. واطلبوا العلم ولو في الصين! فقد نجحت الصين في استثمار تمددها التجاري داخل السوق الامريكية لانشاء لوبي صيني من بين الشركات الامريكية التي تتعامل مع السوق الصينية. واذا رأت مجموعة الدول العربية والاسلامية اقتباس التجربة الصينية، فإن من المتاح لها خلق نواة اللوبي العربي الاسلامي من الشركات الامريكية الكبرى الذي تتعامل مع الاسواق العربية والاسلامية بحجم كبير، مثل الشركات العاملة في مجال النفط بكل فروعه من تنقيب وانتاج وتكرير وتوزيع وشركات انتاج السلاح وغيرها. الفرصة اذن متاحة وماثلة، لكن ما الذي يمنع استغلالها؟ الاجابة معروفة كما اتصور.. وهي غياب الارادة الحرة الغلابة التي تؤدي الى العمل الجماعي الفاعل.. على المستويين العربي والاسلامي. ان المرتكز الاساسي للدبلوماسية الامريكية تجاه العالم العربي والاسلامي يتمثل في استغلال حالة الانقسام المستديم بين الدول العربية والاسلامية، والحركة الصهيونية العالمية تدرك ان تطورات الصراع العربي الاسرائيلي سوف تبقى على الدوام لصالح اسرائيل، طالما بقيت علاقة كل دولة عربية مع الولايات المتحدة علاقة احادية معزولة. وهذه هي المحنة الكبرى.