أخطر ما بات يتهدد العالم العربي والإسلامي، هو كرة النار الجوالة التي أصبحت تسمى بالإرهاب، بعد أن تم وأد شعار التحرر من العبودية والاستعمار، وبدت هذه الكرة بكل ما تحمله من مرارة، تقض مضاجع الأنظمة قبل الشعوب، لدرجة وصلت معها أجهزة الإعلام الى ترك كل ما يخص مشكلات المجتمع، للانشغال ـ فقط ـ بنفي الإرهاب عن هذه الدولة أو تلك، بصرف النظر عما إن كانت مدانة أو متهمة بعمل كان يوماً يخضع إلى تسمية نضالية أو كفاحية أو ما شابه هذه التسميات. لكن قبل البدء في الحديث عن هذا السلاح التهمة، يجب أن نتطرق إلى مفهوم الإرهاب،حيث بات يشكل نقلة نوعية لكل العلاقات التي كانت قائمة سابقاً، وتغييرا في كل القيم و في أسلوب التعامل والعمل في تنفيذ الأهداف الأمريكية في العالم العربي والشرق الأوسط وأواسط آسيا، وبما يخدم تعميم المفهوم الإسرائيلي لمقولة الإرهاب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لاول مرة تجابه اسرائيل محيطها بمساندة الولايات المتحدة كلياً و في قبول هذه المساندة والسير إلى حد ما معها من قبل الدول الأوروبية أي أنه وبعد أن عمم مفهوم الإرهاب، انتقلت اسرائيل من حالة الحصار إلى موقع الهجوم، بالارتكاز الكلي إلى الكرة الجوالة المسماة بالإرهاب. وقد يستغرب البعض إذا ما قلنا بأن مفهوم الإرهاب، لم يكن موجوداً في القاموس السياسي، وأن أول من طرح هذا المفهوم اسرائيل، بعد حرب أكتوبر 1973، بحيث بدأ هذا المفهوم يتدرج من الشغب، إلى مرحلة المخرب، ليصل بعد ذلك إلى ما يسمى بالعمل الإرهابي ليستقر الأمر بعد ذلك بتعميم المفهوم واختزاله بالإرهاب ولا غرابة بالأمر إذا ما قلنا أيضاً، أن إنتاج مفهوم الإرهاب جاء بفعل الاستناد إلى اللاهوت الانكلوسكسوني المتحالف تحالفا عقائديا مع اللاهوت اليهودي، ولهذا السبب بالذات نجد أن كل المتهمين في هذا العالم بالإرهاب هم الذين يقعون خارج هذا التحالف،بمعزل عن الدين والمذهب، فالبعض المسيحي متهم بذات التهمة التي توجه إلى الدول الإسلامية، والأمثلة أكثر من أن تحصى. بكلام أوضح، فقضية الإرهاب أصبحت ألايديولوجيا دولية مفروضة على كل دول العالم، وكل من يتجاهل هذه الأيديولوجيا أو يتأخر عن تبنيها بقصد أو بدون قصد، سيقع بالضرورة تحت المساءلة أو الاتهام، بل أكثر من ذلك أن أرشيف بداية الثمانينيات الممتد إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، هي المرحلة الاساسية التي ترتكز عليها الولايات المتحدة في اتهام هذه الدولة أو تلك بالإرهاب، والملفت أن هذه الدائرة ،أعني دائرة الاتهام بالإرهاب، أصبحت تتوسع وتكبر بمبرر أو بغير مبرر فقد ضمت بشكل أو بأخر، الدول التي كانت تربطها صداقات متميزة مع الولايات المتحدة باعتبارها دولا إسلامية وتتبنى مناهج تحض على الإرهاب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الدول بالمنظور الأمريكي، لا تزال تقف ضد حقوق الإنسان، غير المعرفة أصلاً باعتبار هذا الأمر ذريعة أو بالأصح، شماعة تعلق عليها الولايات المتحدة حججها، وكمدخل للنفاذ إلى التدخل في الشئون الداخلية بهذه الدول المستقرة. بموازاة ذلك، وحتى لا نغرق بالتفاصيل، يمكننا القول أن ثمة خطة أمريكية تهدف إلى نظام أمني دولي رأسه اسرائيل، على العكس مما كانت عليه الأهداف قبل تسعينيات القرن الماضي، التي كانت ترى ضرورة تشكيل نظام أمني إقليمي يضم الدول العربية وإسرائيل في جبهة واحدة . مع ملاحظة، أن ما كان مقبولاً من الأنظمة العربية لدى الولايات المتحدة في صياغة أو تشكيل نظام إقليمي فيما مضى، أصبح بعد أحداث 11سبتمبر لا يصلح للنظام الأمني الدولي المزمع تشكيله من قبل الولايات المتحدة، لذات الاعتبارات التي مررنا بها .أما الهدف الآخر، الذي لا يزال غائباً عن الذهن، فيتمثل في سعي الولايات المتحدة الأمريكية لحشد العالم كله، باعتبارها قائداً له دون منازع، إلى توحيد القوانين حسب رؤيتها لما يسمى بالإرهاب، ودون ذلك يعتبر الإرهاب عينه، أي أن ما كان يسمى بالتحرر والانعتاق والتخلص من الاحتلال أصبح في قانونها إرهاباً، وأن الدول التي تعيش مشكلات في آسيا وأفريقيا على وجه التحديد، بالضرورة عليها الرضوخ والانصياع للرؤية الأمنية الأمريكية، لحل المشكلات الصراعية بصرف النظر عن الحق والعدل، وعن منطق الغالب والمغلوب، بل أكثر من ذلك صياغة قوانين الدول على أساس من الرؤية الأمريكية. وليس من الغرابة بمكان، اذا ما اعتبرنا ان نقل اسرى طالبان وتنظيم القاعدة الى القاعدة الامريكية في كوبا، بمعزل عن موقفنا سلبا كان ام ايجابا من هؤلاء المعتقلين مقدمة لتعميم القانون الامريكي قسرا على العالم باسره، واذا كان الامر غير ذلك، ما الذي يمنع من محاكمة هؤلاء على اساس من القانون الافغاني الذي تلتزم به الحكومة المؤقتة الحليفة للولايات المتحدة، ويتم استقاء المعلومات من قبل هؤلاء التي تبحث عنها امريكا من خلال العلاقة الثنائية القائمة بين الحكومة الافغانية المؤقتة واجهزة الولايات المتحدة الموجودة على الارض الافغانية. فلا غرو أن نلحظ سيل التساؤلات التي بدأت تنهال من كل صوب وحدب، إزاء هذه الخطوات الجهنمية التي بدأت ترى بالعربي والمسلم ومن يتحالف معهما إرهابيا حتى لو ثبت العكس من ذلك، وعن ماهية الخطوات والسياسات التي يجب اتباعها من قبل الحكومات وشعوبها، بهدف الوقوف في وجه هذه الهجمة التي تنال من الهوية والعقيدة، إسلامية أو قومية أو يسارية ...الخ ؟ لا شك أنه قبل التطرق إلى جملة التساؤلات والإجابات، بات حري بنا دولاً وشعوباً، أن نتكاتف من أجل العمل على وضع تعريف للإرهاب، الذي أصبح كرة نار ملتهبة تجتاح مجتمعاتنا ودولنا، خاصة وأن تعريف الإرهاب قبل ذلك لم يكن لغزاً، وأن القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان، قد عرفته بشكل خلاق، حيث فرقت بشكل واضح لا لبس فيه، بين الإرهاب وبين النضال من أجل نيل الحقوق الوطنية المشروعة، بل أبعد من ذلك وأعم أن كل ما يتحدث به العالم اليوم، كان ولا يزال استناداً لما أقرته شرعة حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من خلال الكثير من القرارات المتخذة والمتفق عليها كمنهج عمل ناظم للعلائق البشرية . أي أنه بات مطلوباً العمل ومن خلال المؤسسات الإقليمية والقارية على إزالة أسباب الإرهاب الذي تتغنى به الولايات المتحدة هذه الأيام، والذي بكل تأكيد لا تتحمل مسئوليته الدول العربية والإسلامية، بقدر ما يتحمل مسئوليته العالم بأسره بسبب الاحتكار والاستحواذ على الثروة من قبل العالم المتحضر، الذي بدوره أبقى دول العالم الثالث أو ما يحلو للبعض تسميته بدول الجنوب يعيش في بحار متلاطمة من الفقر والفاقة والأمراض والمجاعات. وبعيداً عن الوصفات الجاهزة والمعلبة، أصبحت الجامعة العربية ومؤتمر القمة الإسلامية ومنظومة دول عدم الانحياز وبعض المنظمات والهيئات الدولية، مطالبة ـ للحفاظ على حالة التوازن الدولي ـ أكثر من أي وقت مضى بتوحيد الرؤى السياسية إزاء كل هذه القضايا الشائكة، واستناداً إلى القوانين والقرارات الدولية المتوافق عليها تعاقدياً، سعياً لتخفيف لجج اللهيب الذي تحمله هذه الكرة الجوالة، والتي وضعت العالم بأسره أمام خيارات صعبة وخطيرة، لا تقيم للعدل والمنطق شأناً يذكر، إلا ما يراه الآخر من منطقه الأحادي الجانب والعودة مرة اخرى وبهدف نقل الكرة الى الملعب الآخر، المطالبة بتطبيق قرارات مجلس الامن الدولي في كل القضايا الصراعية العالقة، كما نصت عليه، باعتبارها الحكم الفصل بين كل الاطراف. ودون ذلك سنبقى نعيش دوامة الاتهامات المتناثرة في فضاءات هذا العالم غير المعنون أو المعرف أو المدموغ بسمة محددة، ونؤكل تباعاً مثلما أكل الثور الأبيض. ـ كاتب فلسطيني