فيما الامريكيون ومن معهم من الحلفاء الغربيين يتوسعون في تمديد مدة بقائهم فوق الارض الافغانية وبسط نفوذهم عليها، في اطار الخطة الدولية القاضية بنزع اسلحة المقاتلين وحاملي البندقية منذ ايام حكومة المجاهدين وصولا الى حكومة الطالبان، فان الحكام الافغان الجدد بدأوا يشعرون باهمية ان تكون لهم ذراع عسكرية حديثة وموحدة ومنظمة، تساعدهم في ترسيخ حكمهم الجديد وايضا تستطيع ان تسعفهم في معركة البقاء التي قد تفتح امامهم في وقت لاحق، مع انتهاء الدورة المؤقتة التي كلفوا بها لادارة شئون البلاد على قاعدة مؤتمر بون الشهير. المتتبعون للحدث الافغاني منذ تسلم حميد قرضاي الحكم في كابول على انقاض حكومة الطالبان، يشعرون بان سباقا حادا وان كان خفيا يجري بين تيارين داخل الادارة المؤقتة التي انيطت بها مهمة الحكم الانتقالي. تيار يقوده رئيس الحكومة المؤقتة نفسه ومعه عدد من الوزراء المتعلمين في الغرب اساسا والذين يقال ان عددا كبيرا منهم يحمل الجنسية الامريكية، وقد وضع على مايبدو جل اهتمامه لتصفية البلاد من آثار العهود الماضية لكل ما تملك من مواقف ايديولوجية او مظاهر مسلحة او توجهات عقائدية. التيار الثاني والذي يلتف حوله عدد من القيادات العسكرية «والجهادية» السابقة، ومن بينهم او في طليعتهم الجنرال فهيم باعتباره الوزير الابرز في حكومة قرضاي ممن يذكر بعهد حكومة المجاهدين والقائد التاريخي المرحوم احمد شاه مسعود، وقد وضع على مايبدو جل اهتمامه لاعادة بناء افغانستان بنيويا وهو يظن ويعتقد ان من اولى اولوياته بناء قوام الكيان الافغاني الوليد في شرطته وجيشه وايضا في عمرانه. واذا كان التيار الاول يعتمد اعتمادا اساسيا على زخم حضور القوات الاجنبية والدعم المعنوي والمادي الذي يفترض ان مؤتمر بون والدول المانحة قد تعهدت بتوفيره للحكم الجديد، فان التيار الثاني الذي قد يشارك بالتأكيد التيار الاول في مراهنته على زخم الدعم الخارجي، الا انه يريد الاسراع في الوقت نفسه في بناء نواة محلية للقوة والدعم، تعتمد على تحالفات واتفاقيات وبروتوكولات تعقد مع الدول الاقليمية الجارة لافغانستان اكثر مما تعتمد وتراهن على القوات الدولية القادمة من وراء البحار او من الشمال. وفحوى مراهنة هذا التيار تقول في جوهرها بان الاجانب القادمون من بعيد، مهما عملوا وايا كانت المدة التي سيقضونها فوق الارض الافغانية فانهم لابد يوما راحلون، بينما سيبقى جيران افغانستان جيرانها الى الابد، مهما تغيرت الظروف وتبدلت الازمان. المراقبون فسروا الزيارة الخاصة التي قام بها وزير الدفاع الافغاني الجنرال فهيم لايران وحديثه عن ضرورة تشكيل نواة لجيش افغاني حديث، بانها جاءت لتقول كلاما واضحا في سياق ما ورد بخصوص اهمية الجار الاقليمي الصديق وديمومته، وكون الاجنبي القادم من بعيد مؤقت وطاريء مهما طال امد بقائه في المنطقة. القلق الذي ابدته واشنطن من حديث الجنرال الشاب حول الجيش الافغاني الحديث، وعن الدور الايراني المحتمل في بناء نواة هذا الجيش يأتي في هذا السياق. وهنا ثمة من يرى بان الايام والاسابيع والشهور القادمة ستحمل معها اتساعا ملحوظا في هوة الاختلاف بين التيارين الافغانيين داخليا من جهة، وتصاعدا واضحا ايضا في التوتر بين واشنطن وعدد من جارات افغانستان وفي مقدمتها ايران بالطبع حول طبيعة الدور المطلوب ان تلعبه حكومة قرضاي المؤقتة. العارفون ببواطن الامور في افغانستان يقولون ان ثمة تناقضات عديدة اخرى مرشحة للظهور داخل المجموعة الافغانية الحاكمة، بل وداخل المجتمع الافغاني الوليد بشكل عام، وان هذه التناقضات ستظهر حول محاور اخرى هامة ايضا، منها شكل ونوع التعليم الذي سيقدم للشعب الافغاني، وشكل الاقتصاد البديل عن زراعة الافيون والمخدرات، وشكل التعامل المتبع مع الشركات الاقليمية او الدولية التي تريد استثمار حقول المعادن الافغانية او استخدام الاراضي الافغانية طريقا لنقل الطاقة، الى ماهنالك من ملفات شائكة ليس اقلها التوزيع المتبع لصرف المساعدات على المناطق الافغانية المختلفة ذات التوزيع العرقي والطائفي المتنوع والمتعدد والمتشابك. يقول بروفيسور افغاني مقيم في استراليا بان هذه الحكومة المؤقتة «ليست حكومة شعبية ولا منتخبة من قبل الناس، لكنها اذا ما نجحت في مهمتها الموكلة اليها وهي تريد خدمة الناس وتخليصهم من فتنة التقاتل، يمكن ان تتحول الى حكومة شعبية ودائمة ايضا». انه بالفعل تحد حقيقي وجاد امام حكام افغانستان الجدد، وان الايام والاسابيع والاشهر القادمة ستثبت فيما اذا كان ارباب التيار الاول ام ارباب التيار الثاني ام ارباب تيار ثالث قد يتبلور مع الايام قادر على اثبات وجوده امام التحديات العميقة التي تواجهها افغانستان الجديدة. ايا تكن صحة هذه التحليلات وايا تكن نتائج هذه التناقضات، وايا يكن مستقبل افغانستان ما بعد الطالبان، فان القدر المتيقن من كل ذلك هو ان الافغان وجيرانهم باقون في هذه المنطقة وفيما عداهم راحلون ان عاجلا ام آجلا. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني